استحالة تأهيل التدبير العمومي بأغلبية حكومية متنافـرة

 يونس التايب

يعيش المغاربة، منذ أيام، حـالـة من البلبلـة و التوجس عقب ورود أخبار مؤكـدة عن حـالات وفيـات تـم تسجيلهـا بعـدة مـدن، جـراء الإصابة بداء أنفلونزا الخنازيـر (H1N1)، و كذا أنبـاء شيـوع داء الحمى القلاعية في بعض المناطـق، مما أدى إلى نفـوق أعداد من رؤوس الأبقـار.

ولأن الوضعية غيـر عادية، التمس الناس رؤية أثـر فعل عمومي تقوده حكومة تتقـن تدبيـر الأزمـات والتـواصـل بشأنها، بإمكانها إبداع حلـول جـادة للمشـاكـل الطارئة وتنزيلها على الوجه الأكمل. بيـد أن التخبط في الأرقـام والبيانات الصادرة عن الـوزارات المعنيـة، وتهـافـت التصريحـات الصحفيـة غير المقنعة، لم يمنح المواطنين دليـلا على أن الأمور مضبـوطة كما يفتـرض فيها أن تكـون.

وبينمـا استمـر النـاس يبحثـون عـن الحقيقـة فيمـا يجـرى ويـدور، ازدادت الرؤيـة صعوبة و غـاب جزء كبير من المعنى، بظهـور حكاية “التقـاعـد الاستثنـائي” التي لم يستـوعـب المتتبعون دلالاته ومعانيه، كما لم يغب عنهم عُمـق وقعـه الأخلاقي، خصوصا وأن للقصة ربما جوانب لم تعرف، قد تحمل الأيام المقبلة بعض تفاصيلها.

و رغـم كل شيء، من الطبيعي أن يستمـر الناس يتطلعـون إلى حكـومـة قـادرة على التواصل بـدون ارتبـاك، تستطيع أخـذ المبـادرة في كل القضايـا، بتجديد و ابتكار وكفـاءة، خصوصا وأن حجم التحديات و المخاطر التي تواجه الوطـن، يعـزز شرعـيـة سـؤال مـدى جهوزيتنا المؤسساتية، التي يُفتـرض أن نقيسها من خـلال نجاعة تدبيـر السلطـة التنفيذيـة الموكول إليها السهر على خدمة الناس.

والحقيقة أن الجواب عن هذا السؤال المشروع، صعب مع ما يتسرب لوسائل الإعلام من معلومات تؤكد أن شيئـا ما لـيـس علـى ما يرام في “حكومتنا”. كيف لا ونحن أمام واقع أسبـوعي يحمل حديثا عن “مشاكـل الأغـلبيـة” و مضاميـن “تراشق إعلامي” بين مكوناتها، بشكل يبين أن التجانس منعـدم، و الثقة غائبـة.

واستئناسا بالمثل الشعبي الحكيم الذي يقول “من الخيمة خرج مايل…”، يقول بعض العارفين أن الأمر ليس مستغـربا، إذا استحضرنا “تشتت الهوى” الأصلي في صفوف الأغلبية التي قام بتجميعهـا، بإصرار، الحزب الفائز في الانتخابـات التشريعية لسنة 2016، لـيتمكن من “بناء أغلبيته”، ويفرض “أحقيته” بالاستمـرار على رأس الحكـومـة.

صحيح ذلك… ولكن معـذورون، نحـن معشر الطوباويين، إذا كنا قد اعتقدنا أن أزيـد من سنتيـن من “التعـايش” بين الفـرقـاء الحكوميين، ربما تكون قد آتـت أكلها و “رطبت الخواطر”، و جعلت المعنيين “يتقون الله في أبناء الوطن” و “يديـرو خدمتهم” بتقديـر لمقـام المسؤولية، و باحترام للأمانة التي في أعناقهـم، و للثقة التي وضعها فيهم جلالة الملك عندما تفضل باختيارهم و تعيينهم، في احترام للمنهجية الديمقراطية الراسخة، وكذا بالنظر للثقة التي حازتها الحكومة أمام نواب الأمة، وبالتالي أمام الشعب.

ولكن، يبدو أن ليس بالإمكان أن يحصد الناس إلا ما زرعـوه بأيديهم، و أن الواقع لا يرتفع. إذ لا يمكن لفيسيفساء ألوان الطيف السياسي، من اليميـن الديني إلى ما كـان تاريخيـا محسـوبا علـى اليسـار، مـرورا بأحـزاب ليبرالية، لا يجمع بينها تاريخ من النضال المشترك، و لا برامج وتصورات سياسية متجانسة، و لا حتى معرفة إنسانية صادقـة بين الأفـراد، أن تتآلـف قلـوب مكـوناتها، وتأتي بشيء ذي بال. ومهما بحثنا عن أعذار ومبررات، لا يمكن التغطية عن كون “طنجـرة” الحكومة ستظل مفتقـدة لأي “نكهـة” أو ”مـذاق”، كـأي طنجـرة نضع فيهـا مكـونـات غـيـر متجـانسـة، لكـل منهـا أثـره الخاص.

وقـد لاحظ المتتبعون كيف أنه، منذ أشهر، لم تتحـرك بجدية إلا المشاريع ذات البعد الاستراتيجي التي أشرف عليها بشكل مباشر عاهل البلاد (القطار السريع والمرافق المصاحبة له / التأهيل الصناعي لقطاع السيارات و الطائرات / تعزيز التواجد في الفضاء من خلال قمرين صناعيين / تدبير ملف الاتفاق الفلاحي مع الاتحاد الأوروبي…إلخ). فيما ظل الإيقاع متذبذبا في عدة أوراش لم تجد من يُحسن تدبيـرها، اللهم تلك المرتبطة ببعض القطاعات الحكومية التي على رأسها مسؤولون يشهـد لهم الناس بالكفاءة وبأنهم يستحضرون الوطن ومصالحه الكبرى أولا، بعيدا عن المقاربات الحزبية والسياسوية الضيقة.

وللتدليل على أن مسلسل انعـدام الثقـة بيـن الأحـزاب المشكلة للحكـومـة أصيـل في تـركيبتها، يستحسـن التذكيـر ببعـض محطاتـه، لنعي كم ضاع على الوطن من وقـت ظل فيه “أصحابنا” منهمكـون في حروب “المواقع”، و الدفاع عن “الأنا الحزبية أو الفردية”، و مشاكـل عـدة قطاعـات هامـة تتراكـم وتتفـاقـم.

البداية كانت بما أعقب إلغاء حقيبة كتابة الدولة للماء، من تشنج و أزمة بيـن رئيـس الحكومة ورفاق حزب التقدم والاشتراكية الذين أغضبهم القرار، ولوحوا بالانسحاب من الحكومة. ثم ظهر بعد ذلك خلاف بين حزب رئيس الحكومة وحزب التجمع الوطني للأحرار، إثـر تصريحات عضو المكتب السياسي و وزير الشباب والرياضة السيد رشيد الطالبي العلمي، الذي قال أن الحكومة يقودها “حزب يحمل مشروعا دخيلا يسعى لتخريب البلاد”. تصريحات قوية اعتبرتها الأمانة العامة لحـزب رئيـس الحكـومة “إساءات بالغة وتعريضا مغرضا، وتهجما سافـرا وغير مسؤول ومناقض لمبادئ ومقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة”، مطالبة السيد الطالبي العلمي بمغادرة الحكومة.

هذا الرد القوي استنفر حزب التجمع الذي رد على لسان رئيسه أنه “لم يعد من الممكن استهداف التجمع الوطني للأحرار بهذا الشكل غير اللائق”، من طرف أشخاص وصفهم بأنهم “وراء الهجمات (…) ولا يـدخـرون أي وسيلة للـدعـايـة من أجـل تمريـرهـا، إلى درجـة أصبحت معها هذه الهجمات عرقلة لأي محاولة للعمل الجاد”.

أمام هذا التصعيد، و في لقـاء مفتـوح مع طلبة المعهـد العالـي للإعـلام والاتصال في الرباط، حول “رهانات الدخول السياسي الجديد”، نظـم أواخـر سنـة 2018، سعى رئيس الحكومة إلى التهدئة وقال “أن جميع الحكومات تعرف ارتباكات، ولا يوجد أي استثناء، سـواء في الحكومات السابقة في المغرب، أو على المستوى العالمي”. موضحا، أن ما يقـع هو “نتيجـة التنـافـس السيـاسي”، وأن “الخـلاف لا يـؤثـر”، معتبرا أن “الاختلاف بين الأحزاب لا يفسد للـود قضيـة”.

من نصدق إذن؟ رئيس التجمعيين الذي قال أن “الهجمات عرقلة لأي محاولة للعمل الجاد”؟ أم رئيس الحكومة حين يقول أن “الخـلاف لا يـؤثـر”؟

شخصيا، أعتقد أن الحقيـقـة بعـيـدة عن الصورة المتفائلة التي حاول بها رئيس الحكومة التهوين من المشكل. كما أن أثـر “الخلاف” ليس هينا ولا هامشيا بالمرة، بل له أثر سلبي على تدبير الشأن العام بكل المقاييس السياسية.

و إذا كان لزاما أن آتي بدليل آخر على عمق هـذا الارتباك، يكفي أن أذكـر قصة فشـل السيـد رئيس الحكومة، بداية سنة 2019، في إقناع وزرائه، وقادة أحزاب الأغلبية، بالاتفاق على صيغة موحدة لمشروع “النموذج التنموي الجديد”، تقدم باسم الأغلبية الحكومية. فقد أسهبت عدة مواقع إلكترونية في سرد تفاصيل هذا الملف، وأبرزت خلاف رئيس الحكومة مع الوزراء غير المنتمين إلى حزبه حول النموذج التنموي، إلى درجة أن أربعة أحزاب في الأغلبية، وهي التجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الاشتراكي، والحركة الشعبية، والاتحاد الدستوري، أبلغت رسميا رفضها “المنهجية التي تم بها إعداد تصور مشروع النموذج التنموي، قبل الحديث عن مضمونه”.

في هذا الصدد، صرح قيادي من الأغلبية الحكومية، لم يكشف عن هويته، أن “من حق رئيس الحكومة أن يقوم بإعداد مشروع النموذج التنمـوي ويبعثـه إلـى جـلالة الملك، في إطار العلاقة التي تجمعـه مع أعضاء الحكومـة، لكن الخطأ الذي وقع فيه، هـو أنه قـام بإعـداد تصور عن كل قطاع حكومي بدون علـم الوزراء الذين يشرفون على هذه القطاعات”، مما جعل الوزراء ي”تفاجـؤوا خلال اجتماع عقـده رئيس الحكومة معهم، خصص لتقديم المشروع، بوجود تصورات جاهـزة حول قطاعاتهم الحكومية”. المتحدث اعتبر أن “هذا أمر غير منطقي، لأنه عوض أن يطلب من وزرائه المساهمة في إعـداد تصـور حـول القطـاعـات التي يمثلـونها، لجـأ إلى حـزبـه لإخـراج مشـروع النموذج التنموي، وهـو ما دفع قـادة الأغلبية إلى رفض مشروعه الجاهز”. وأضاف نفس القيادي بنبرة مستنكرة إلى أن “رئيـس الحكومة يـريـد أن يرفع إلى جلالة الملك تصور حزبه حول الموضوع، باسم أحزاب الأغلبية”، و هو ما لا يمكن قبوله.

وقد تواترت، في نفس السياق، أنباء عن أن أحزاب الأغلبية الحكومية ربما تكون قد “بدأت في إرسال تصوراتها حـول النموذج التنموي إلى الديوان الملكي مباشرة”، و ذلك لتجاوز وضعية “الوصاية” التي أريد تطبيقها عليها في هذا الملف.

لا شك أن هذه الحلقة من مسلسل “الخلاف الحكومي”، شكلت ضربة موجعة لـرئيس الحكومة، و قد تزيد من إحراجه و إضعافـه سياسيا أمام أقطاب أغلبيته. و رغم حقيقة الإصرار على تلطيـف الأجـواء واعتماد الدبلوماسية في التعاطي مع الخلاف، إلا أن ما وقع لن يزيد إلا في تعـزيـز الاعتقـاد بصحة ما يقال عن عجـز السيد رئيس الحكومة على أن يكون “زعيم أغلبية سياسية”، أو أن يُحدث “التماسك الحكومي” الذي يعطي إشارات مطمئنة حول مستقبل تدبيـر الشأن العام.

أما إذا صحت المعلومات الصحفية التي تحدثت عن أن رئاسة الحكومة قـامت، كرد فعل على سلوك “الحلفاء”، بإرسال “مشروع النموذج التنموي”، إلى الديوان الملكي، كأنه تصور حكومي في هذا الشأن، رغم الخلاف حوله في صفوف الأغلبيـة، فإننا سنكون بصدد وضع غير مسبوق و غير مقبول، يغلب فيه “الغنان”، على التزام الحكمة والتعالي على الحسابات الصغيرة. ولكن لأنني لم أتمكن من التأكد من أن هذا الخبـر صحيح مائة بالمائة، أمنع نفسي عن تصديقه، بل و أمني النفس أن يكون مجرد “تلفيـق واختـلاق” يبتغي الإساءة.

ماذا يمكن أن أضيف بعد كل هذا الكلام؟ هل يمكن أن نعتبر أن ما بين مكونات الأغلبية الحكومية مجرد “خلافات لا تفسد للود قضية”؟

وفي قضية “مشروع تصور النموذج التنموي الجديد”، ألسنا حقيقة بصدد منطق تدبير “تحكمي”، لم يحترم الشركاء، و سعى إلى “ابتلاعهم” سياسيا، و تبخيس ذكائهم و كفاءاتهم في ملف حساس، و مصادرة حقهم في إبراز تميز تصورهم وطروحاتهم؟

ليس بعد كل ما سبق مكان للتردد أو التشكيك في أن الخلاف عميـق، وليس مجرد نقاش حول تفاصيل إجرائية. الأمر يعكس بكل أسف تصورا “خـاصا” لنمـوذج تدبيـر تحالف حزبي و فريـق حكومي، يصعب على أي منطق سياسي رصين القبول به.

ولعل هذا بالضبط، هو ما يخيف كل الوطنيين الغيورين، ويجعل الشك يراودهم حول مـدى تجـذر القناعات الديمقراطية لدى كل الفاعلين، وإيمانهم الراسخ بالتعددية السياسية، وإدراكهم أن العمل السياسي والديناميكية الانتخابية ليست سوى أحد أبواب المشاركة في تدبير الشأن العـام، وخدمة الناس على قدم المساواة وبدون تمييز بسبب ميولاتهم الفكرية أو الحزبية، أو انتماءاتهم الثقافية أو الإثنية أو المجالية، ضمن إطار الدولة الوطنية الجامعة وفي احترام لمؤسساتها. و لا يمكن بتاتا قبول أن يعتقد أي كان بأن الانتخابات و تسيير الحكومة يمكنها أن تكون مطية، أو بداية طريق، لإزاحة “الغيـر”، والهيمنة السياسية على الفرقاء، والسعي في الأرض بمنطق “التمكن” من مفـاصل الإدارات والمؤسسات، و”استثمار التحالفات” فقط لترسيخ التواجد السياسي و إضفاء الشرعية عليه، وتصيد التوقيت المناسب للإجهاز على كل شيء و الاستفراد بالجمل وما حمـل.

قلتها و أعيد القول: نحن هنا في دولة متجذرة بعراقة شعبها و رسوخ ثوابتها وقداسة الشرعيات الحقة القائمة فيها.

المهم، مرة أخرى، نجد أنفسنا في موضوع “خلافات مكونات الأغلبية”، أمام وضعية استثنائية يتم فيها التعاطي مع الزمن السياسي بكل أريحية، ولا يهم منه ما مضى و لا ما سيأتي، و لا كيف مضى ذلك الذي مضى، و لا كيف سيأتي ذلك الذي سيأتي.

وليست آخـر الحلقـات في هـذا المسلسل الـركـيـك، أو ما سمي “الفوترة الإلكترونية”، و ما صدر من بيانات سياسية عن أحزاب في الحكومة، مستنكرة لهذا “القرار الحكومي” الذي أغضب التجار الصغار و دفع بالعديدين إلى إغلاق محلاتهم في عدة مدن، إلا دليلا إضافيا يؤكد أن الخلاف عميق وأن منطق “التنصل من مسؤولية القرار الحكومي” هي القاعدة، وأن تأهيل التدبير العمومي بأغلبية حكومية متنافرة مستحيل…. والله يحد البأس… كما دأب ناس زمان على القول.

فاعل سياسي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.