حِبْرُ الأُسْتَاذ مِن دَمِه

إيمان البركة

تزامنا مع اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، عرف الشارع المغربي يوم الأربعاء 20 فبراير مظاهرات وطنية ضمت آلافا من الأساتذة الذين فرض عليهم التوظيف بالتعاقد. كنا في ذلك اليوم بصدد تعريف العدالة الاجتماعية محاولين أن نقيس درجة فعالية هذا المبدأ على الأداء السياسي للحكومة، و أن نجد سبلا لمناقشة أزماتنا الاجتماعية، و أن نقف في لحظة تأمل نرصد فيها ما أسست له الحكومة و مدى استجابتها للمطالب الشعبية، و نحدد مكامن الخلل التي تستدعي حتما الضغط على الجهات المسؤولة لتفعيل ما تعاقد عليه الشعب المغربي في الوثيقة الدستورية و ضرورة تفاعل الحكومة بفتح حوار و قياس نتائج سياساتها و استراتيجياتها على الواقع الاجتماعي للمواطنين.

و نحن نحتفي بهذا اليوم العالمي و نسترجع ذكرى تأسيس حركة 20 فبراير التي نشأت في سياق مجتمعي خاص و شكلت نقطة قوة في المسار الديمقراطي المغربي، تفاجأنا بظلامية التعامل مع احتجاجات الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد.

و للتوضيح، فالميثاق الوطني للتربية و التكوين قام بإدراج نظام التعاقد في توظيف الأساتذة الجدد و ذلك بتفويت مجموعة من اختصاصات الإدارة المركزية للأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين، حيث جاء في المادة 135 من هذا الميثاق: “يسمح بمزاولة مهمة مدرب أو مدرس لمن توافرت فيه الشروط التي تحددها السلطات المشرفة على التربية والتكوين، ويراعى في تحديد إطارات توظيف المدرس مبدأ الحفاظ على جودة التأطير في جميع المستويات. ويتم تنويع أوضاع المدرسين الجدد من الآن فصاعدا بما في ذلك اللجوء إلى التعاقد على مدد زمنية تدريجية قابلة للتجديد، على صعيد المؤسسات والأقاليم والجهات، وفق القوانين الجاري بها العمل”. كما أكد على إقرار التعاقد المخطط الاستعجالي الذي جاءت به وزارة التربية الوطنية.

و هنا تجدر بنا الإشارة إلى أن نظام التعاقد الذي يفرض على الأساتذة الجدد فيه ما ينافي الدستور انطلاقا من مبدأ المساواة الذي ينصّ عليه الفصل 6 في فقرته الثانية: “تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات و المواطنين، و المساواة بينهم، و من مشاركتهم في الحياة السياسية و الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية”. فالفوج الجديد من الأساتذة لن يكون لهم نفس الوضع القانوني لزملائهم الخاضعين لقانون الوظيفة العمومية، و بالتالي فتوظيف الأساتذة بالتعاقد تبعا لعجلة مخطط الوزارة الوصية سيخلّف نتائج شديدة السلبية تمسّ بالأساس علاقة المواطن بالمنظومة التعليمية؛ نذكر من هذه العواقب:

  • عدم استقرار الوضع الاجتماعي للأساتذة؛ فالتعليم قطاع دائم و مستمر و بالتالي فتوظيف الأساتذة بالتعاقد يعد أمرا مجانبا للصواب، لأننا لسنا نستقطب موارد بشرية أو خبرات لمدة معينة، بل نحن أمام شباب حديثي التخرج و في أوج عطائهم، فكيف يمكن للضمير المجتمعي أن يقبل على هذه الفئة الحرمان من الإدماج في الوظيفة العمومية، علما أن أجورهم تسدد من المالية العامة.
  • ضعف المردودية إذ لن يكون، في الواقع، باستطاعة الأستاذ الذي تخرج من سلك الإجازة أن يواكب بمهنية المقررات الدراسية مباشرة بعد التوظيف لأنه لم يخضع لأي تكوين بيداغوجي معمّق، عكس زملائه المدمجين في الوظيفة العمومية. و إذا نسجنا موقفنا على منوال من يجزمون تحسين المردودية قياسا على تقلص معدل غياب الأساتذة، فمجموعة من الأسئلة تطرح على أذهاننا بإلحاح لمعرفة هل الوجود الجسدي للأستاذ أكثر أهمية من تحفيزه النفسي لاستقبال المتعلمين؟ هل إجبارية الحضور تحت تهديد فسخ العقد قادرة على جعل الأستاذ شغوفا بتبسيط المعلومة للمتعلم؟ هل الأستاذ المواظب على الحضور سيتمكّن من كسب ثقة المتعلم و أولياء الأمور مقارنة بزملائه الذين خضعوا لسنوات من التكوين و التدريب؟ هنا يكمن السبب الرئيسي وراء شلل المرافق العمومية بالمجتمعات العربية، وذلك بجعلنا من مسألة التحفيز و التكوين الذاتي للمواطن أمرا ثانويا، و هاجس الدولة كله هو أن يسجل الموظف حضوره ليتقاضى أجره نهاية الشهر. نغلق نوافذ النور ثم نبحث و نتفحّص كيف لنا أن نخرج من عتمة الظلمة.
  • غياب الحماية الإدارية للأستاذ المتعاقد و تفشي الظلم و “الحكرة”؛ عكس الأساتذة الخاضعين لقانون الوظيفة العمومية، فالأستاذ الذي فرض عليه التعاقد غير محمي من طرف الإدارة، فبقراءتنا لعقد الإذعان الذي تفرضه الأكاديمية الجهوية للتربية و التكوين، نلمس و كأن الأستاذ المتعاقد يشتغل لدى مدير الأكاديمية تحت حراسة المفتش و ليس في مؤسسة عمومية، كما أن نسبة كبيرة من حقوقه غير معترف بها في ذلك العقد. فعلى سبيل المثال و ليس الحصر، نجد في الفصل 19 من قانون الوظيفة العمومية: ” يتعين على الإدارة أن تحمي الموظفين من التهديدات و التهجمات و الإهانات و التشنيع و السباب التي قد تستهدفهم أثناء القيام بمهامهم، و تعوض إذا اقتضى الحال و طبقا للنظام الجاري به العمل، الضرر الناتج عن ذلك في كل الأحوال التي لا يضبطها التشريع الخاص برواتب التقاعد و بضمانة الوفاة، حيث أن الدولة هي التي تقوم مقام المصاب في الحقوق و الدعاوي ضد المتسبب في الضرر.” وهو ما ليس له وجود في عقد الإذعان الذي تفرضه الأكاديمية الجهوية، رغم ما تعانيه مدارسنا من عنف داخلي قد يلحق الضرر النفسي أو الجسدي بالأستاذ. هذا دون إعادة التذكير بهشاشة حماية الأستاذ المتعاقد فيما يخص شروط الإقالة التي من المفروض أن تمر بعدة مراحل نجدها تتلخص بكل بساطة و بشكل غير مسؤول في”فسخ العقد و إنهاؤه” عند ست حالات مذكورة في العقد.
  • نفور المواطنين من مهنة التدريس؛ بتسوية الأجور مع تكريس اللاّمساواة المهنية سيفقد قطاع التعليم نُبْله و لن يكون طموحا للمواطنين، فالخيار “الاستراتيجي” الذي يهدف إلى سد الخصاص سيلقى حصارا من طرف الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد بنضالهم و مشاركتهم في إضرابات في مستهل السنة الدراسية أو منتصفها، ثم في حال تعنّت الجهات المسؤولة بعدم قبولها إدماج الأساتذة قد يأتي جيل آخر لن يهتم لشأن هذه المهنة نظرا لهفوات الإطار القانوني المنظم لها.

و مازالت لائحة النتائج السلبية لفرض نظام التعاقد على الأساتذة عديدة كلّها ترفع من حجم التوتر بين المواطنين و المنظومة التعليمية.

قطاع التعليم في المغرب كان دائما يشكو من عِلاّته، حاله على ذمة التدخلات الاستعجالية، غير أن الحكومات التي تتولّى التدبير دائما ما تعبث بمعدّات العلاج و تتعمد إزالة جهاز التنفس عنه بحجة إثبات رؤيتها “الفعّالة” للتحسين من وضعيته، و الحال، أننا نزيد من اشتداد أزمة التربية و التعليم بعدم توصّلنا لطموح جماعي على غرار الإرادة الشعبية.

و بناءا على ما سبق، فإن إقحام نظام التعاقد في توظيف الأساتذة سيسجّل نكسة قطاع التعليم. و في غمرة هذا الوضع المستهجن لا بد أن نقف عند تعثّر إصدار القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين كما ينصّ عليه الفصل 133 من الدستور، و الذي بموجبه يمكن للمواطن أن يلجأ للقضاء الدستوري للدفع بعدم دستورية قانون معيّن، حيث كان من المُرَجّح أن الأساتذة الذين يودّون ولوج مهنة التدريس، وفي ظل الأكاديمية الجهوية التي تفرض عليهم نظام التعاقد، أن يلجأوا للسلطة القضائية للدفع بعدم دستورية العقد على أساس غياب مبدأ المساواة كما ينصّ عليه الفصل 6 من الدستور، حيث نجد أن هناك مفارقة بين الأساتذة المدمجين في الوظيفة العمومية و زملائهم المتعاقدين. لكن الولادة المستعصية لذلك القانون التنظيمي حالت دون ذلك، و يمكن للقارئ الكريم التفضّل بالرجوع لقرار 18/70 الصادر عن المحكمة الدستورية التي بثت من خلاله عدم تطابق عدد كبير من فصول هذا القانون التنظيمي مع الدستور.

وختاما، أستحضر مقتطفا من كتاب مستقبل الثقافة في مصر للسيد طه حسين حيث يقول إن : “الدعامة الصحيحة للحرية الصحيحة إنما هي التعليم الذي يُشعر الفرد بواجبه و حقه، و بواجبات نظرائه و حقوقهم، و الذي يُشبع في نفس الفرد هذا الشعور المدني الشريف، شعور التضامن الاجتماعي الذي يجعله حريصا على احترام حقوق نظرائه عليه، ليحترم نظراؤه حقوقه عليه.”

إن الدفاع عن المنظومة التعليمية هي قضيتنا جميعا، و كل فرد منّا عليه أن يجعل من تجربته و معرفته قيمة مضافة لإحداث إصلاح جذري ينهض بالمنظومة التعليمية. لذا ينبغي دائما تركيب القوانين بطريقة يفهمها العقل المجتمعي، و هنا أغتنم الفرصة لمؤاخذة مقرّر التدريس الجامعي بكليات الحقوق على إلغائه لمادّة سوسيولوجيا القانون التي تدرس بالأساس شروط إنتاج القوانين وفقا لواقع المجتمع.

باحثة في العلوم السياسية

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.