مأساة انشطار الذات عند الجيل الجديد للاسلام السياسي

خالد فتحي

في الأثر، عندما التقى المسيح عيسى عليه السلام مجموعة من الناس يرجمون امرأة ،توجه إليهم : من كان منكم بلاخطيئة فليقذفها بالحجر.فتوقف الجميع عما كانوا فيه يهمعون. كلنا خطاؤون وخيارنا كما قال الرسول الكريم صلعم التوابون. ولذلك لا داعي أن نناقش واقعة باريس للنائبة ماء العينين من باب الخطيئة والفضيلة. فالخطيئة ملازمة للبشر منذ بداية الخليقة. والضعف قديم في الناس .ويمكن دائما أن ننتقل بين كلا العالمين بيسر أو بعسر وبقصد وبدون قصد وحتى بوعي أو بدونه.فما أكثر المرور من الفضيلة للخطيئة ومن الخطيئة للفضيلة إلى أن تحصل لنا التوبة النصوح . فالدين اذا غالبناه غلبنا.و كل ذلك لدونيتنا ودنويتنا.فحتى ابليس الذي قرر غواية الآخر كان قد غلب فقط من قبل هواه أو أناه. فقد كان قبل أن يشتط ويشطح في الفعل قواما عبادا للله.

مايهم من الواقعة اذن هو أن نخرج من الوقائع بالخلاصات والاستنتاجات الواجبة .أن نكون قادرين على قراءة ماتخفيه السلوكات من قناعات و افكار ومواقف. وأن نتأسى العبر. فهي مفيدة جدا للمستقبل. وخصوصا أن الحجاب في تلك النازلة تعدى كونه خطابا دينيا الى ان يصبح خطابا سياسيا ليستعمل وفق الحاجة ،و ليضحى الآن بيد بعض “الطامحات” من الموارد السياسية التي تنفع في الحشد و في الوصول على ظهر الجماهير المخدرة المستوثقة بالمظاهر الربانية إلى المناصب والمال وأكل السحت المتأتي من تمثيل الناس، و يستخدم في التحصل أيضا على النفوذ والوجاهة والمكانة الاجتماعية باسم الشرعية الديموقراطية المفترى عليها التي يتم النفاذ لها في هذه الحالة من وراء نقاب أو من خلف حجاب.ألم يقل الرسول الكريم (صلعم) من خدعنا بالدين انخدعنا له.

اول قطر الإشارات أن تلك الواقعة تكشف لنا مأساة انشطار الذات التي يعاني منها اليوم الكثير من أبناء الإسلام السياسي وخصوصا من شباب الجيلين الثاني والثالث .والذين أصبحوا على خلاف جيل “الرواد” يعيشون على مستويين من الوجود هما للأسف متناقضين أبلغ التناقض .إنهم مقسمون في دواخل ذواتهم بين تمثل الصورة الاجتماعية والفكرية التي تفرضها عليهم أدبيات الجماعة وإرث وشدة الآباء الروحيين و كذلك خطاباتهم وشعاراتهم هم التي يروجون و يعلنون بها عن أنفسهم للناس كرعاة للفضيلة و كتقاة منزهين عن كل أشكال السقوط سياسيا كان أو أخلاقيا ، و خصوصا كحماة للأموال وللأعراض و لصحيح الدين و على الأقل للمعلوم منه بالضرورة ، صورة تكون متناسقة مع المثال الذي يرسم للشعب وللأتباع ، تشكل لهم بالتالي محيا اجتماعيا او هوية سياسية علنية جهرية. أو لنقل انها تمثل لهم القناع السياسي الذي يرتدونه في الحياة العامة وتمثل لنا نحن الطعم الذي نبتلعه……إنها ولعمري ، الصورة التي تختلف كليا عن قناعاتهم الحقيقية القابعة في مجاهل وادغال النفس التي من طبعها كباقي نفوس البشر أن تكون أمارة بالسوء نزاعة للهوى ميالة للهلع والجزع.تلك القناعات التي تمثل مجموع مايموج في الذات من رغبات وأماني وتقلقات و توترات وصراعات يصعب إظهارها للناس. فهذا المستوى الوجودي الخالي من الرتوش هو الهوية الحقيقية التي تظهر لهم على مرآة الذات حين يبحرون هم انفسهم في دواخلهم . هذه الهوية المخفية ترقد بغير سلام وراء الهوية الأخرى المتصنعة المزيفة التي تنفيها بعيدا ،تقمعها بل و حتى قد تقهرها قهرا. الم يقل الله تعالى عن الانسان في كتابه الكريم أنه خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا.اي أن المواقف والاختبارات هي التي تكشف الطبيعة البشرية للإنسان مهما تصنع وتكلف.إن هذه الغرائز المكبلة بأغلال المصلحة لأجل التظاهر بنقيضها هو مايصطلح عليه بالكبت بالمعنى الفرويدي لا بالمعنى السوقي،و الذي يطفو على السطح من حين لآخر حين ترتخي الكوابح ليفضح لنا هذا المستوى من الفصام بين السلوك الفعلي والقناعة المعلنة وبين القول والفعل وبين السر والعلن .وهذا مفهوم جدا في سلوكات بعض الاسلاميين. فالجيل الثالث من الشباب الآن قد لا يتمثل وقد لا تحركه مثل السلف كتابات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي ولاحتى تعاليم حسن البنا، بل ولا مأثرات الزهد عند الصحابة و الخلفاء الراشدين .وكيف يحصل له ذلك وقد أضحى مستغربا بعد أن ارتفع سقف توقعاته من مباهج الحياة التي صارت تنفذ إليه مما أنتجته الحداثة من حضارة مغرية مسيلة لللعاب، وما انتهت إليه من وسائل للتواصل الاجتماعي تنقل له قسرا هذه الرقة وهذه النعومة وهذا البذخ الذي صارت إليه هذه الحضارة الإنسانية التي كان يلعنها ويهجوها ويجهلها له المؤسسون . فالكبت في الجماعات المغلقة لا يدوم لأكثر من جيلين اثنين .كما أن دوام الحال من المحال، والله نفسه يصف نفسه بأنه شديد المحال فكيف بالعباد وقد خلق ابن آدم على صورته؟ .في روايته سمرقند يحكي امين معلوف كيف عمد حفيد الحسن الصباح مؤسس فرقة الحشاشين المسمى الحسن المخلص بعد أن انتهى إليه حكم قلعة ألموت الرهيبة إلى التمرد على كل ماسنه جده كزعيم روحي من قواعد الصرامة و التقشف والشظف والعنف في حق النفس و في مواجهة الآخر.حيث فتح القلعة بمجرد خلوص الحكم اليه على مصراعيها ،وقطع مع عهود الشدة والمجاهدة، ودعا المريدين في ما يشبه الثورة إلى التنعم بالحياة والفرح ، حتى أنه ابطل لهم الشريعة، و أسقط عنهم الصلاة والصيام، وأحل لهم المحرمات، وحرم عليهم الفروض لانه اعتبر أنهم متصلون بالخالق على الدوام،ولاحاجة لهم بها، و لذلك زين لهم أن العناد في إقامة الصلوات الخمس يعد دليلا على قلة الإيمان ،وأن شرب الخمر من المحللات، وعدم الفسق والفجور هو كفر وجحود بالنعم . ولقد كان ذلك في الحقيقة رد فعل عنيف وحماسة زائدة من هذا المخلص للتخلص من الكبت الذي عانت منه الجماعة لجيلين متعاقبين، وانتقاما متطرفا للحياة ممن أرادوا وأدها فيهم، وتوقا للعيش الناعم الرغيد. فما أشبه اليوم بالبارحة!!.

إنه كلما تعمق التناقض بين الهويتين اللتان ذكرت في نفوس الناس المتشددين ، كلما بالغوا في الحديث عن الشرف والنزاهة والحياء والعفة ، وكلما تأولوا وحللوا العجب العجاب، وهرعوا للتمسح بالنبي الكريم ونادوا على كبار صحابته شهودا لهم امام الناس على التقى والورع .وقد كنت قرات بهذا الصدد لمحلل نفسي انه كلما كثر الحديث عند فئة ما عن الشرف وعفة اليد و الجوارح كلما كان ذلك دليلا على ان هذه المعاني وهذه الفضائل قد قلت وندرت عندها.

هذه الفذلكة التي اوردت يوصفها فرويد باللاشعور الذي يتحكم في الإنسان، وهي تقريبا نفس الفكرة التي طالما يعبر لي عنها والدي عندما يقول لي إنه من العصمة أن لا تجد.وقد وجد بعض الإسلاميين حالهم امام الملذات من كل الأصناف،فما ضمنوا أنفسهم. بل وجدوا على ايام الحرمان والشقاء،و اقتصوا لأنفسهم من ايام الزهد الطويلة ومن السنين العجاف. فلم يصمدوا كما وعدوا لما “أغارت “عليهم هذه النعم ، و”تقاطرت ” عليهم هذه ” الغنائم و”تربصت ” بهم تلك “الشهوات ” ،وهي التي زينت للناس كما يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ممثلة في النساء وبريق قناطر الذهب، فكان أمر بعضهم فرطا.هكذا فشلوا أمام الاختبار و استسلموا لغواية الريع الذي استقله الشيطان اللعين سبيلا إليهم…هذا الريع “الطارئ”عليهم الذي طالما نظموا مهرجانات خطابة وقصائد شعر في هجائه وابتهلوا بالدعاء تعوذا منه، كيف له ان ينتصر عليهم ؟. كيف له ان ينسيهم شدة عمر بن الخطاب في الحق وقسوته على نفسه وجسده وعياله حتى كانت امارته لهم مغرما لا مغنما ، و كيف له ان يمحو فيهم نزاهة سبطه عمر بن عبد العزيز الذي حين سأله صاحب البريد عن حال أسرته أطفأ شمعة بيت مال المسلمين وأضاء شمعة من منزله ، لانه لايجوز في فهمه لصحيح الدين خلط المال العام بالخاص. وقبلهما معا عفة الصديق يوسف الذي أبى أن يغدر أو يغنم زوجة عزيز مصر الذي رباه في بيته وأكل من خبزه . رباه كيف يحدث لهم كل هذا ..لم لم يستعصموا ؟….لم لم يصمدوا؟…… حقا ما أدهى هذا الشيطان الذي يجلب عليهم بخيله. ما أقواه وما أضعفهم !…. تبا له لم يستقصدهم من دون الناس أجمعين .!!!!

لم يختبربعض الإسلاميين من الحاكمين ، بل و بمعية بعض الإسلاميات من الحاكمات فينا قدرتنا على تحمل الطعن من الخلف والتنكر للوعود وحدهما، بل أفرغوا وافرغن منا كل منسوب الصبر لدينا على تجرع المرارات من كثرة المواقف المتشابهة التي يضعن أنفسهن فيها. فهن دائما في المتشابه ولذلك انهكت نساؤهم أمنا عائشة رضي الله عنها التي يعتقدن انها أمهن لوحدهن.و دائما ما يلذن إليها مع اختلاف السياق و غياب القياس لأن الله تعالى جزم بأن أمهات المؤمنين لسن كباقي النساء ، فكيف يكن هن مثلهن ؟؟. خصوصا وانه عندما يحصحص الحق ،ينكرن العقوق والمروق .ولاينزلن عند الحق كما نزلت زوليخا ذات محاكمة وأقرت بأنها كانت من همت وبادرت وقدت .

ثاني الإشارات هي أن بعض الإسلاميين حين يهاجمون العلمنة يهاجمونها وياللغرابة وهم منخرطون فيها متيمون بعشقها في شوارع باريس ولندن.سادرون ومنغمسون فيها من الرأس الى أخمص القدمين في ما يسمى عند العارفين من المحللين بالعلمانية غير الواعية.

انظروا مليا الى ما تكشف فقط من أفعال بعضهم لتستكشفوا انه بينما يفورون نقدا وهجاء للعلمانية فوق منصات الخطابة وأمام الجموع الغافلة أو المستغفلة ، هم في الحقيقة يذوبون حبا وهياما بها بل إنها ضالتهم الأولى هناك في ما وراء البحر اذا عز هنا الستر … ففي ملتهم السياسية أن كل شيء مباح في دار (الحرب) للاستمتاع، وأن التقية واجبة هنا مع العامة في دار (السلم) للإقناع والمواظبة على لبس القناع .فللجمهور الدين ،وللخاصة من أمثالهم التنعم بالملذات.

إن المأساة الكامنة وراء هذ السلوك المناور أن السجية الحقيقية تظل مخفاة لدى البعض و لا تظهر إلا في دار( الحرب) تلك.وكانت المأساة ستكلف أكثر لو أن كشفها تطلب من الشعب كله أن يسافر إلى هناك لتكتمل له الصورة؟؟؟

وحيث أنني مع الحرية ولست لا مع الحجاب ولا ضده-وإن كنت أرى الحجاب من الإسلام حسب علمي ، و اعتبره علاقة للمرأة مع ربها ،ولا يجوز مسحه عن الدين مراباة لنزوات امرأة تخلت عنه -، فاني أحمد الله ان هذه السلوكيات لاأقول المنفلتة وإنما أقول السلوكيات غير المنسجمة هي التي اضحت تسافر إلى الشعب عبر وسائل الكشف التي اخترعتها هذه الحداثة ذاتها…وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت وياللمفارقة في نفس الوقت جيوشا للاسلام السياسي وعيونا عليه .

يستمرئ بعض الاسلاميين البكاء هنا على زمن تطبيق الشريعة ،و التهافت هناك على المتع وعلى السلع المعلمنة حتى الثمالة في تجل صريح لمتلازمة النفس المبتورة التي تصيب بعض أبناء الإسلام السياسي التي سبق و تكلم عنها الفيلسوف الإيراني ماريوس شايغان في تنظيراته لمن أراد أن يستفيض، و افتضاح للانتهازيةلدى بعضهم في الأخذ بمنتجات الحداثة من دون التشبع بذهنية الحداثة وفلسفتها. إنه بالأحرى النفاق الذي يهدف إلى ترك الشعب الساذج طريحا على هامش التاريخ .و السعي للاستئثار بالمتع وبالحداثة والعصرنة لأنفسهم في سرية تامة عن الناس .انها الحداثة المحتكرة التي يرى طلابها من المتلصصين اليها انها للخاصة بينما ينبغي في رايهم ” رمي” التقليد للعامة و البؤساء والكادحين و(الحثالة) .

ولعلي لا أبالغ اذا قلت أن بعض أبناء الإسلام السياسي، أو لأقل الجيل الثاني والثالث منهم متمردون على بناه الفكرية التنظيمية التقليدية، وانهم يعشقون الحياة العلمانية أو الحداثية بحذافيرها وأحيانا بكبائرها ،فقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر.واذا كانت العلمانية في شكلها الصلب الفج تعني تفكيك الإنسان والتعامل مع هذا العالم بوصفه مادة.فبعض الإسلاميين حين يستخدمون الدين كمصعد اجتماعي ،ويقايضون به كبضاعة سياسية في سوق السياسة المصلحي الوضيع، انما هم في الحقيقة يتعاملون مع الدين كمادة وكسلعة سياسية .إنهم العلمانيون الحقيقيون ولكن لا يشعرون. وقد كنت قرأت ضمن ما قرأت مما تيسر لي من كتب المرحوم عبد الوهاب المسيري…رحلتي الفكرية، في الثقافة والمنهج..الفردوس الارضى والذي كان في بداية أمره علمانيا راديكاليا ، بل وماديا ، ثم انقلب بنعمة من الله منافحاعن الجانب الروحي في الإنسان الذي طحنه توحش الحداثة.. كنت قرأت له وصفة لتمييز العلماني من الرباني أرى أن أبوح لكم بها.انه يدعوكم في هذا الأمر لعدم الاغترار بالأقوال والشعارات بل الى النظر إلى السلوك والأفعال.فاذا كنتم امام من يغير الزوج بسهولة، ودون سبب، ويركب السيارات الفارهة ،ويقتفي أثر الماركات العالمية، فذاك علماني لعشقه للسوق، ولو أعلن لكم بلسانه انه إسلامي أو روحاني أو رباني.ومن هنا يتحدث المسيري رحمه الله عن الحجاب العلماني لأن الحجاب غايته دفع الإثارة وعندما يكون بعض الحجاب متبرجا وبعض اللباس الشرعي مزركشا بالألوان الشهية الفاقعة فذاك حجاب غايته المراء ونفاق الله والبشرواحيانا الإغواء و الخطيئة … حجاب للعمل السياسي لا يقصد به وجه الله.من كان حجابه للله فحجابه للله ،ومن كان حجابه لأصوات يصيبها وبشر يخدعهم ،فحجابه لما لبس له.

ثالث الإشارات، أن الدين حين يغادر باحة الدعوة الفسيحة، ويدخل نفق السياسة الضيق ، يتحول مباشرة إلى إيديولوجية تفرق ولا تجمع، لأن السياسة فضاء لصراع الإيديولوجيات. و بذلك يبتعد عما أراده الله له . ثم لا يلبث أن يتطور هذا التدين السياسي بدقيق التعبير بمرور الوقت بعد الانتقال من شظف الدعوة الى رغد الدولة إلى وسيلة سريعة للارتقاء الاجتماعي والعنصرية بين الناس على اساس الطائفة .

إن أخطر ما يمكن أن يتورط فيه مجتمع هو حين تنبري فئة ما وتستخلص هذا الدين لها من دون الآخرين كمورد سياسي ، فتحتكره، تحارب به حين تريد ،تتفاوض به حين يقتضي الأمرذلك ،وتتخلى عنه اذا حزب هذا الأمر، وتحوره وتمسخه دفاعا عن الاتباع حين يشذون .ثم و لابد وان يقع أن رؤيتها لنفسها ولباقي الجماعات الإسلامية والدينية الاخرى ولباقي الشعب تتشوش. لأن الدين في السياسة يشطر ولا يجمع. يذوي ولا ينتعش.إن التدين السياسي المرائي لعبة خطرة وأحيانا تستحيل قذرة خصوصا عندما يعتقد أصحاب تلك الفئة أنهم الفئة الناجية وخصوصا أكثر حين يشرعون في هذه النجاة هنا في الدنيا وعلى حساب الآخرين فيبدؤون في الاستئثار بكل شيء وباغتنام كل شيء وأخذ نصيبهم ونصيب الناس من الدنيا الفانية . بل قد يتطرفون في طلب الدنيا فيأمرون الآخرين بالبر وينسون أنفسهم .ومنهم من يعتقد على شكل بعض غلاة التصوف أن الحركي الإسلامي قد عرف الحقيقة فأعفي من الطريقة فلذلك هم يتضامنون في السراء والضراء وعلى الخطيئة والفضيلة. فيبررون ويقبلون لبعضهم البعض… هم هكذا رحماء بينهم أشداء علينا وعلينا فقط رغم أننا مثلهم مسلمون . إنه عندما نقع في السيئات والذنوب نعرف اننا قد أخطئنا،ونرجو الغفران . ولكن سيئاتهم على ما يبدو تعود حسنات بإعمال التأويل في الدين.فالدين يتغير معهم ويجمد معنا ….. بينما المفروض أن يبقى هو هو صافيا كما بلغه إلينا الرسول الكريم سيدنا محمد عليه السلام .أن يبقى ذلك المثال الذي نرنو إليه ولانبلغه أبدا . واذا لم نبلغه نعترف بتقصيرنا. ولكن لا نهوي به الى عالمنا السفلي الملطخ بالآثام. إذ يجب أن يبقى ذلك المثال الذي لاندنسه بالمصالح الرخيصة للسياسة وغثاثة الدنيا.

رابع إشارة، أن المغاربة لم ينتفضوا ضد عدم لبس النائبة الحجاب بباريس فلباسها هناك هو في الحقيقة لباس الأغلبية من بنات الشعب المغربي هنا قبل أن تدهمنا الأفكار و الكليشيهات الآتية من الشرق، ولكنهم انتفضوا ضد النفاق.و قد يقول قائل ،قد كان المنافقون جزءا من ساكنة المدينة يخرجون مع الرسول الكريم للغزوات ضد العدو ويحيون بين ظاهري المسلمين .لكني أجيبه أن هذا النفاق الجديد ليس نفاقا للله فلايحاسبهم عليه الشعب، ولكنه نفاق للشعب وتمويه عليه ابتغاء أصواته واغتصابا لمرضاته. فمن كان حجابه لوجه الله فحجابه لوجه الله ومن كان حجابه للشعب فحق للشعب أن يحاسبه عليه .خصوصا وأن هذا الحجاب في هذه الحالة مراوغ خداع مثله مثل ثعلب زفزاف يظهر في المغرب ويختفي بفرنسا.

وخامس الإشارات وآخرها أن هذه الوقائع التي تجري رحاها في باريس تكاد تجعل الناس يخلطون بين الإسلام السياسي والإسلام مما يعجل بعلمانية لا تبقي ولاتذر يتسبب فيها هؤلاء المتحررون من الاسلاميين الذين تحرروا من كل شيء… من وعودهم….. وقناعاتهم او دعاويهم وحتى من ملابسهم حين تقتضي تقلبات السياسة ونزوعات النفس ذلك .

وقد سبق لحجة الاسلام ابو حامد الغزالي حين حمل على الفلاسفة ان برر ذلك ان الناس يختلط عليهم اشتغال الفلاسفة بالطبيعيات التي هي علوم حقة بالإلاهيات التي تبقى مجرد وجهات نظر أخطئوا فيها .وهو نفس الخلط الذي يوقع فيه الإسلام السياسي الآن الناس حيث يخلط لهم التدين بالأمور السياسية مما يفرز العجائب ويدلس على الناس ، ولكن لا عجب ولاغرابة حين نكون امام طينة من الإسلاميين جهرا العلمانيين سرا.اي حين يتحول التدين إلى مجرد أداة سياسية للارتقاء والهجرة الطبقية ، و تعوض اللحية والحجاب والسبحة الكفاءة والجرأة والإرادة وربما حتى التقوى التي خص الله بها عبادا له غالبا ما لا نتعرف عليهم من شدة تسترهم و خشيتهم له .

أستاذ بكلية الطب بالرباط دكتور في الحقوق

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.