بعيدا عن الانفعال والجمود.. مستقبل النقاش العمومي بالمغرب

ناصر بنحميدوش

استقرت لازمة الديموقراطية حنايا خطاب الفاعلين السياسيين بالمغرب، وأجهدوا أنفسهم في التعبير عن تطلعاتهم تلك، وتوسلوا في ذلك بمختلف سجلات الحجج والدلائل ـ خطابا ـ بين العقلاني والعاطفي، غير أن واقع الممارسة يعري الكثير من الشوائب والمثالب التي تزرع الشك في مدى صدقية يقينهم بالديموقراطية وتمثل مضانها.

يتجلى هذا التشكك في حجم البون الذي قد يبلغ حد التناقض بين العبارات المستدل بها وبين القناعات وهي نفس المسافة بين الخطاب الموغل في الادعاء والدفاع عن الديموقراطية، وفي نفس الوقت ممارسة العنف اللفظي الذي قد ينزلق في بعض الأحيان إلى مستويات غير مقبولة من الاقصاء والرغبة في استبعاد الفرقاء الآخرين، مما يؤشر على واقع الممارسة السياسية المسكونة بالتوتر الظاهر والمستتر.

يتجسد نموذج هذه المفارقة في الطريقة التي يمارس بها النقاش العمومي بالمغرب، حيث يتم في الكثير من الحالات وفق منطق ـ نعتقده ـ بعيد عن الديموقراطية واشتراطات الفضاء العمومي المحتضن للنقاش الرصين والبناء، بل قريب من الممارسات المقوضة للديموقراطية المبنية على التراشق و”التخوين” ويقينية امتلاك الحقيقة الكاملة والحزبية الشوفينية.

وهو ما يسائل مدى نضج التدافع السياسي والاجتماعي والثقافي بالمغرب ومن خلال ذلك نضج النخب الفاعلة في هذه المستويات ومدى إيمانها بالحوار وبالتداول وبالحق في التعبير عن الرأي.

مثال هذا الواقع، يتجسد في النقاش الذي بدأ يطفو إلى ساحة النقاش العمومي حول موضوع المطالبة بإصلاح دستوري، يتم من خلاله تعديل دستور 2011 وبخاصة منه المقتضيات المؤطرة لتعيين وتنصيب رئيس الحكومة والحكومة بالمغرب.

حيث انبرت أقلام وصدحت آراء تسلحت بعبارات وتوصيفات لا تليق بمقام الدستور ولا الممارسة السياسية السليمة والصحية، حيث يحاول طرف تجريح الطرف الآخر وضرب مصداقيته وتسفيه رأيه، وفي نفس الوقت الادعاء بامتلاك ناصية الحقيقة وتلابيبها، الاستكانة لخطاب المظلومية ووهم المؤامرة، وأن ما دون رأيه لاحق له في الوجود وأنه “كفر” بالديموقراطية وضلال كبير،غير أن الديموقراطية مناقضة لهذه الخطاطة المناهضة لها جينيا.

فللديموقراطية عتبات وفق ما رسخها مسار تشكلها عبر تاريخ الإنسانية في مختلف المجتمعات المتصفة أو الموصوفة بها ـ والتي لا يختلف كثيرون حولها ـ، تستند كمنظومة فكرية إلى مجموعة من القيم والمبادئ يتم تحصينها وتأطيرها ببنية قانونية وإجرائية، وتعبر عن نفسها بالممارسة المؤسساتية والسياسية ويتم تغذيتها بالنقاش العمومي.

ومن ضمن أبجدياتها ودعاماتها الأساسية التسليم العقدي بحرية التعبير وبالتعددية والمساواة، وبالتالي قبول بالآخر وبالرأي المخالف داخل المجتمع، وهي دعامات أساسية لمجتمع تتعايش في داخله وجهات نظر ورؤى متمايزة سواء في المنطلقات والمرجعيات أو في التعبيرات والتأويلات.

وعلى ضوء ذلك يتشكل فضاء عمومي حاضن لنقاش عمومي يتم فيه تداول قضايا تختلف أهميتها بحسب درجات سلم الأولويات تهم مختلف مستويات الحياة داخل المجتمع والدولة، بشكل يضمن لكل الفرقاء حقهم في التعبير عن مواقفهم وآرائهم بمختلف زوايا تناول هذه القضايا ومرجعياتها بكل حرية ومسؤولية.

إن الوضوح في الرؤية والشجاعة في الجهر بالموقف ليس بالضرورة ضد جهة ما بقدر ما هو تعبير عن حق في التعبير لا يستلزم مجادلته باستسهال إطلاق الأحكام الأخلاقية والتعصب المفرط.

إن هذا التمرين حيوي بالنسبة للديموقراطية وغاية ترسيخها، ويسهم في تصليب عودها وتمتين مقتضيات المشترك الذي هو بالأساس الانتماء إلى كيان معنوي وسياسي أكبر هو الوطن / الدولة، ما يفسح للمواطن المجال للمشاركة في تدبير الشأن العام، ويعزز الثقة في المؤسسات ومصداقيتها.

وممارسة هذا التمرين بطريقة ـ يمكن اعتبارها ـ سليمة في الفضاء العام موجبة لضرورة احترام مجموعة من القواعد والضوابط المبدئية منها استحضار نسبية الحقيقة، واحترام الرأي المخالف ومجادلته بالرأي المخالف أو المناقض بالحجة والدلائل بأسلوب وطريقة يحفهما الاحترام واللياقة في المبنى والمعنى والمعاملة، قولا وفعلا إيمانا وممارسة، وفق ما يليق بإنسان متحضر ديموقراطي يؤمن بالمواطنة .

وهو ما يتنافى مع نهج أسلوب التجريح والتسفيه والتبخيس ومصادرة حق الرأي المخالف في الوجود، ويبتعد عن منطق المغالبة العددية والاحتشاد والاحتشاد المضاد، وينئ عن الغلو والتطرف في الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، وهو ما من شأنه أن يولد احتراب في الآراء وتطرفا في المواقف ما قد يغدي العنف الذي قد ينتقل من مجال القول إلى مجال الفعل.

إن بناء الديموقراطية الحقيقية يحتاج إلى نقاش عمومي وإلى ثقافة سياسية تعتبر قوة اقتراحية وفكرية حقيقية، مبدعة ومتخلقة تعبر عن الانتماء للوطن وتدافع عن ثوابته الراسخة وقضاياه الاستراتيجية وتأمن بأن التعدد وفضيلة الحوار وسنة الاختلاف من شأنها أن تقوي وتحفز مسارات النهضة والتقدم غير أن تحققها ممهور بقواعد تطوق امكانية انفلات التدافع الى العنف أو الفوضى

ولنا في التاريخ نماذج.

باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. عين الحق يقول

    أكبر عدو للديمقراطية يتحدث عن الديمقراطية ، لم يمارسها أبدا في مساره الحزبي فقط التعيينات سيدة المسار الحزبي وتاريخه “النضالي”المتميز بالعبودية والتبعية لعبدالقادر الكيحل وطرده من منظمة الشبيبة الشغيلة وعرضه على لجنة التحكيم بسبب ارتكاب أفعال مشينة تؤدي للتفرقة … لأكبر دليل على فراغ جعبته ومن الصنف الذي يصفونه في خانة يقولون مالايفعلون .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.