نقرات على هامش الربيع الجزائري

خالد فتحي 

ليست زيارة نائب رئيس الوزراء الجزائري ووزير الخارجية رطمان لعمامرة لروسيا بالزيارة التي يقصد بها في الأعراف الدبلوماسية تمتين العلاقات العلاقات الاقتصادية والعسكرية .بل هي الزيارة التي يقصد بها بعث اشارات ورسائل من الحلقة الممسكة بالحكم الى كل من الداخل والخارج على السواء.رسائل مفادها ان الجزائر اصدقاء في الساحة الدولية يحمونها شر كل ربيع واتون نوائب الدهر وصروفه السياسية .فتوقيتها المضبوط والغير الاعتباطي، ثم البلد الذي اختارته بعناية من يحرص على عدم التفريط بالحكم يذكران الجزائريين بمآل الثورة السورية التي حولت بلاد أحفاد الأمويين إلى حطام وأنقاض تنعق فوقها الغربان.
هي زيارة لا تثبث فقط صورة الفزاعة التي جرى استدعاؤها للتجربة السورية عند مستهل القيام الجزائري لترهيب المتظاهرين من مصير مشابه .وإنما تنفخ فيها الروح نفخا لتحولها إلى مآل حي و ممكن وارد و إلى احتمال من الاحتمالات بل إلى خطر باد للعيان و قابل للتحقق، فتوظفها لاقصى حد و تنقلها من الافتراضي إلى الكائن الممكن الحدوث.

الحاكمون الحقيقيون للجزائر يقولون إذن للعالم كله من موسكو ،وخصوصا لمن يحسن التأويل من الدول التي تتحين دورا في الربيع الجزائري كفرنسا وأمريكا و بعض الدول العربية أنهم قادرون على استنساخ سوريا جديدة سنة 2019 ,و أنهم لا يرون ضيرا أن يعطوا روسيا موطئ قدم في غرب العالم العربي هذه المرة اذا تشابكت الحسابات واحتدم النزال. وأنه لا داعي أن “يجهل” أحد عليهم فيجهلوا فوق جهل الجاهلينا. ثم هم ينبهون “بالمعروف” وبالمرموز ” الشعب الجزائري إلى ضرورة أن “يقتصد” في حماسه و”يخفض “من سقف توقعاته من الحراك ، ويعود دوما بذاكرته للماضي القريب جدا، و يرتدع، و يأخذ العبر من عشرية الدم التي راح ضحيتها الآلاف من ابنائه، لأنهم قادرون ايضا مثله على ركوب سنام المخاطرة مثلما يركب هو على موجة الاحتجاج والمظاهرة.

انه الترهيب من المصير القاتم المحتمل . و التأكيد على أن الربيع الجزائري لن يكون ساعة صبر في الميادين وبعدها ياتي النصرالمكين. بل قد يتحول إلى ما لا تحمد عقباه ….إلى عقد آخر بلون الدم لن يجني منه الجزائريون الا عدم الاستقرار والفتن التي ستتوالى عليهم مدلهمة كقطع الليل.

فروسيا ،وعبر تصريحات زير خارجيتها سيرجي لافروف الان من الفرصة لتبين أنها اصبحت تراكم خبرة في التعامل مع حالات الثورات العربية و انها تحولت إلى فتوة في الحقل الدولي و الى منقذ لمن يعاني الصعاب من اصدقائها الذين ورثتهم عن زمن الاتحاد السوفياتي لامناص من أخذه بعين الاعتبار عند اية ترتيبات مستقبلية . حيث سارعت إلى إعلان رفضها لا ي تدخل أجنبي في الشأن الجزائري .وهو الموقف الذي يدعم الممسكين الحقيقين بتلابيب السلطة في الجزائر في الوقت الحالي و يعطيهم قوة تفاوضية وهامشا استباقيا للتحرك.

من جهة أخرى ورغم ما يبدو من انفلات وسخونة المشهد في الشارع، لازال الجيش هو القوة المنظمة الوحيدة القادرة على لعب الأوراق الاحتياطية بإتقان مع كافة اطراف المعادلة .فلحد الآن لم تتخل هذه القوة عن الرئيس بوتفليقة الذي تحكم باسمه البلاد.وحتى لما حجبت عنه العهدة الخامسة تتركه يرتع في عهدة رابعة مفتوحة .
هذه المناورة جعلتها تظهر للجزائريين الضعف البين للمعارضة التي لحد اليوم لا تقترح رغم هرجها بديلا لبوتفليقة، ولا تقدر ايضا على قيادةحراك الجماهير المحتشدة التي تصطخب هادرة ليل نهار تتوخى الثأر من محاولة اذلالها بين الأمم بتنصيب رئيس لها يقودها وهو في ارذل العمر .

هذا الجيش لاينسى في خضم مايجري أن” يصطف” إلى جانب الاتجاه العام للشارع الجزائري. فهو “يؤيد” المطالب المشروعة للحراك ويتمناه أن يزهر فوق ذلك باقات ورده اليانعة.

الخروج المتكرر والمحسوب لنائب وزير الدفاع ورئيس الأركان الجزائري قايد صالح يدل على أن الجيش الذي يحيط كسوار المعصم بببوتفليقة يضع يده ايضا على خاصرة الشارع ويراقصه على أنغام الثورة و ينشد معه اناشيد واهازيج النصر في ملحمة التغيير هاته التي تنقل وقائعها القنوات التلفزية الرسمية.فالجيش هنا وهناك ،يتواجد في المعسكرين .بل هو في طريقه ان يتقمص رويدا رويدا دور الحكم بين الشعب والجماعة المحيطة بالرئيس….ثم هاهو ينفصل بكل هدوء وتدريجيا عن الرئيس و”يلتحم “بالشعب الذي لايجد له قائدا للمرحلة ،فيصبح هو” البديل” بل هو الحل الممكن والمطلوب.

الواضح أن الجيش يستعمل بوتفليقة إلى أقصى مدى.فالرجل لا ينبغي أن يرحل عن الحكم حتى يؤدي الشعب الجزائري معه “فريضة” الربيع العربي مثله مثل باقي شعوب الدول العربية الأخرى التي سبقته. هذه خدمته الأخيرة لشعب “حكمه”زهاء 20 سنة بالتمام والكمال.

إن إزاحة رجل شبه ميت من قبل العسكريين قد ازاحه قبلهم المرض. وتنحية حاكم شبع من “الحكم والمجد والحياة ” معا هو أمر سهل .لا مجازفة فيه ولا عقوق للرئيس ولا حتى تأنيب ضمير .ولذا يكون من الأفيد لو يتم هذا الامر على يد الشعب . الذي قد خرج عن بكرة أبيه وأسقطه. فما لثورة بميت ايلام .وبهذا يكون الشعب الجزائري قد أدى واجبه وثار إسوة بباقي الشعوب العربية ….إلا أنها ثورة “محسوبة ومتحكم” في خيوطها …ثورة لا ينبغي لها أن تكون “مفتوحة “بالكامل على المجهول .

إن الخروج إلى الشارع كان ضروريا. فمنذ 20 سنة وطنجرة الجزائر تغلي ولابد أن تتنفس قليلا .كما أن الجيل الذي لم يشهد الربيع الجزائري الأول سنة 1988 و لا يعرف رئيسا الا بوتفليقة “يحتاج” ايضا ان “يسقط” نظاما.

ان هذه هي الخيالات والبني التي تدور في راس القوة غير الدستورية التي يقول الشارع الجزائري انها تتسترخلف بوتفليقة. وهذا هو الاخراج الذي تخطط له . و هذا هو التوجه الذي يتم بمقتضاه لديها ترجيح السيناريو الذي تتمناه هي للربيع الجزائري من بين عدد من السيناريوهات المحتملة والتي تتأرجح بين التغيير السلمي الهادئ إلى الفتنة الصاخبة. انه السيناريو الذي يجعل الشعب والجيش في النهاية يجتمعان على قلب رجل واحد في مواجهة نخبة سياسية يتم عزلها أبرزها الآن لتسقط مع السقوط الرسمي لبوتفليقة. وهو ما يفسر ما نراه من انقلاب المواقف وقفز البعض من الشخصيات التي دارت في فلك الحكم إلى ناحية الشعب مؤخرا بدعوى عودة البصيرة. فلايتأكد بهذا إلا ان الجيش وحده من سيبدو بصيرا في النهاية بما كانت ستتمخض عنه المقبلات من الأيام لانه يمتلك المعلومة والقوة والسلطة …اي يمتلك كل شيء في الجزائر

ربما يكون هذا السيناريو الذي لا يلبي تماما توق البعض من الجزائريين لثورة تكون أشبه بملحمة تحرير الجزائر الخالدة، السيناريو الممكن اذا وعيينا توازن القوى الحاصل في الساحة الجزائرية في الوقت الحالي . هو ربما سيناريو لا يليق تماما بمزاج وروح شعب يعرف عنه الكل أنه يابى الضيم وضياع الكرامة، ولكنه مع ذلك يبقى سيناريو يرى فيه البعض انه يرضي حاجة الشعب للإطاحة بالنظام ويمنح الجيش بدوره مرة أخرى فرصة البقاء مؤثرا أولا في المشهد السياسي الجزائري، ويمنح بعض الوقت للشروع في اصلاح دون مخاطر أو انزلاقات. خصوصا وان الكل تعلم من دروس الماضي :فالعسكر يعي أن مياه كثيرة جرت تحت الجسر.والشعب من جهته لايقفز نحو الديمقراطية مقامرا بالاستقرار. ولذلك هو سلمي في خروجوالاسلاميون لا يبحثون عن تصدر الحراك لكي يتجنبوا مآل إخوانهم ، ولا يكووا نقمة على الثورة، او ذريعة لمصادرة الديمقراطية للمرة الثانية .

اعتقد والله أعلم أن الجزائر ستبدع نسخة منقحة للربيع العربي تختلف عن ماسبقها، فربما اذا توفرت العناية الالاهية قد تلتقي السلطة هذه المرة مع الشعب في منتصف الطريق.وقد يظهر رئيس منتخب بشكل ما يقرر أن يضع الجزائر نهائياعلى سكة الديمقراطية الحقيقية. انما المصادفات التاريخية وحدها من تسعف الشعوب في الأوقات العصيبة.فهل يكون حظ الجزائر احسن من سابقاتها من الدول العربية.نتمنى فعلا ذلك لهذا الشعب الأبي فهو بالتأكيد يستحق وضعا أفضل وابهى من هذا الوضع الذي يثور عليه .

أستاذ بكلية الطب بالرباط دكتور في العلوم السياسية

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.