مع دقات طبول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة أوائل شتنبر، تنطلق في مختلف الحواضر والأقاليم جوقة إعلامية وفيسبوكية مسبقة الدفع، تقود حملة ترويجية منسقة لتسويق أسماء بعينها تحت لافتة “المرشحين الأقوياء” لانتزاع المقاعد البرلمانية أو ترؤس المجالس الترابية.
في الأوطان التي تحترم عقول مواطنيها، تُصنع “القوة” في مختبرات علمية؛ تقيسها مراكز أبحاث مستقلة باستطلاعات رأي دقيقة، وتحددها حصيلة المنجزات، وثقل البرامج، ونزاهة الكف، ومستوى الوعي، وقدرة الخطاب على الإقناع. أما في مشهدنا الانتخابي، فالقوة لها مفهوم آخر، يحتاج منا إلى وقفة مكاشفة لتعرية هذا العبث السائد من خلال ملاحظات صارمة:
أولاً: نخب “المختبر” وبدائل النضال الحقيقي
هؤلاء الوجوه “القوية” المزعومة ليسوا سوى امتداد لطبقة الأعيان الأثرياء ووارثي النفوذ. إنهم النتاج الخالص للمرحلة التاريخية التي صُنعت فيها “الأحزاب الإدارية” بهدف بائس: تجفيف منابع العمل السياسي الشريف، وضرب القوى الوطنية واليسارية الحية، وإفراغ المؤسسات من محتواها لصالح برلمانات ومجالس صورية تُدار بالتعليمات. لقد تم استبدال الكفاءة بالولاء وشراء الولاءات، فغصّت المجالس بـ “أمية سياسية” كل همها تضخيم الثروات وتوريث المناصب.
ثانياً: معمرون في كراسي الخراب
نتأمل أسماءهم، فنجد أنهم “الخالدون” في مناصبهم منذ عقود، أو خلفاء آبائهم في إقطاعياتهم الانتخابية. تاريخهم مدجج بالفساد المالي والتسلط، وحصيلتهم واضحة للعيان لا تحتاج لبيان: مناطق شاسعة تفرخ البطالة، والفقر، والأمية، وبنية تحتية مهترئة تشبه بؤس تدبيرهم. والمفارقة المخجلة، أنهم يملكون من الوقاحة ما يكفي لبيع الوهم اليوم والتحدث عن “التنمية والتغيير”، وهم الذين عجزوا طيلة عقود عن تعبيد زقاق، أو تشييد مدرسة أو إنارة شارع، أو مدّ قنوات للصرف الصحي!
ثالثاً: عباقرة “الترحال” وسماسرة المشهد
هؤلاء هم الأدوات الحقيقية لإفساد الحياة السياسية وبلقنتها. بسبب ممارساتهم، كفر المواطن بالسياسة، وهجر صناديق الاقتراع، وفقد الثقة في أي تغيير. هؤلاء الأعيان بلا هوية، ولا مبدأ، ولا عقيدة سياسية؛ إنهم “كائنات انتخابية عابرة للأحزاب”، ومبتكرو ظاهرة الترحال السياسي بامتياز. يغيرون جلودهم الحزبية كما يغيرون ملابسهم، يميلون حيث مالت رغبات السلطة، ويلتقطون الإشارات بدقة ليقفزوا من دكان سياسي إلى آخر دون حرج أو خجل، ودون تقديم أدنى اعتذار للناخبين.
خلاصة القول:
دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها؛ إن هؤلاء الأعيان المفسدين مجردون من أي شعبية حقيقية، عاجزون عن تقديم أي برنامج، ومفلسون أخلاقياً وسياسياً. وإذا كان “الحياحة”، والسماسرة، و”الشناقة” يروجون لقوتهم، فلنعلم جميعاً أنها ليست قوة كفاءة، بل هي:
قوة المال الحرام، وقوة شراء الذمم، وقوة التزوير والترهيب، وقوة الاستثمار في الجهل والأمية.
لقد حان الوقت للرأي العام الوطني أن يدرك أن “قوة” هؤلاء هي في الأصل “ضعفنا” وسكوتنا، وأن استمرارهم هو استمرار لنفس الكارثة التي تدفع ثمنها التنمية في هذا الوطن.







