ثمة لحظات في الحياة السياسية لا تكشف فقط عن اختلاف في التقدير، بل عن مسافة شاسعة بين السلطة في المكاتب المكيفة، والواقع في الأسواق.
ومن بين تلك اللحظات، ما صدر عن رئيس الحكومة خلال جلسة المساءلة الشهرية بمجلس النواب، حين تحدث بثقة عن وفرة الأغنام في الأسواق، وعن تمكن الأسر الراغبة في اقتناء أضحية العيد من تحقيق رغبتها.
كان المشهد أشبه بوصف بلد آخر.. بلد لا يعرف مواطنوه القلق الذي سبق العيد، ولا الصدمة التي أحدثتها الأسعار في الأسواق، ولا الحيرة التي سكنت آلاف الأسر وهي تحاول التوفيق بين دخل محدود وتكاليف المعيشة التي تتضخم بلا توقف.
المشكلة ليست في أن رئيس الحكومة أخطأ في قراءة الأرقام المكتوبة، فالأرقام نفسها يمكن أن تقول أشياء كثيرة بحسب زاوية النظر إليها… وقد فعلها يوم تحدث عن وجود 40 مليون رأس، لكن الأسواق كذبته..
المشكلة أن الرجل بدا وكأنه لم ير المغرب الذي رآه المغاربة. لم يقف أمام الأسواق التي كانت الأسعار فيها تشتعل يوما بعد يوم، ولم يسمع الآباء وهم يحسبون ما تبقى من رواتبهم التي تم تسبيقها، ولم يشاهد أمهات اضطررن إلى إعادة ترتيب أولويات الأسرة لأن كلفة الأضحية أصبحت تنافس كلفة أشهر كاملة من المعيشة.
والمشكلة أيضا، هي أن رئيس الحكومة اتخذ قرارا غير مسبوق منذ دخول قانون حرية الأسعار والمنافسة حيز التطبيق، من خلال إقرار تدابير استثنائية لتنظيم الأسواق لمواجهة “الشناقة الصغار”، بعدما حذرت التقارير الحقيقية لرجال السلطة من الأزمة التي عاشتها الأسواق.. ثم يأتي اليوم ليتحدث عن الوفرة و”الشيطنة”.
عندما يتحدث المسؤول عن وفرة العرض، يفترض أن تنعكس تلك الوفرة على الأسعار. هذه قاعدة اقتصادية بسيطة لا تحتاج إلى خبراء أو مكاتب الدراسات التي ورطت هذه الحكومة في أكثر من ملف.. أما حين تقفز الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو أن هناك خللا ما، إما في العرض أو في آليات السوق أو في السياسات العمومية التي كان يفترض أن تتدخل لتصحيح الاختلال، لكن انتهت بتصحيح وضعية شركات كانت على حافة الإفلاس.
لقد أنفقت الحكومة أموالا طائلة تحت عنوان دعم الأغنام واللحوم وإعادة تشكيل القطيع الوطني. وقيل للمغاربة إن هذه الإجراءات ضرورية لتخفيف الضغط على الأسواق وحماية القدرة الشرائية، ودعم صغار الكسابين بعد الجفاف.. لكن المواطن لم يكن ينتظر معجزة، بل كان ينتظر فقط نتيجة ملموسة وهي أن يجد الأغنام متوفرة بأسعار معقولة، وأن يشعر بأن الأموال التي خرجت من الخزينة العامة وجيوب دافعي الضرائب عادت إليه في شكل سعر أقل وخروف “أسمن”.
لكن الذي حدث هذه السنة هو أن الدعم ذهب للفراقشية، فيما بقيت الأسعار مرتفعة. حصل البعض على امتيازات كبيرة، بينما حصل المواطن على فاتورة إضافية.. وهنا يكمن جوهر المشكل الذي يعيشه المغاربة.
لذلك يبدو غريبا أن ينشغل رئيس الحكومة بالحديث عن “شيطنة” الكسابة والفلاحين. فالمغاربة يعرفون جيدا أن الفلاح الصغير والكساب البسيط ليسا هما من يحركان سياسات الدعم، وليس هما من قرر وجهة الأموال العمومية. فالنقاش الحقيقي يدور حول الذين استفادوا من تلك السياسات، وحول الحصيلة الفعلية لما أنفق من مال عام باسم حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
في السياسة، ليست المشكلة أن تفشل.. فالفشل وارد في كل التجارب.. لكن المشكلة هي أن يتحول الفشل إلى نجاح في الخطاب الرسمي، وأن يصبح المواطن مطالبا بتصديق الرواية بدل تصديق ما عاشه بنفسه حتى ساعات قليلة قبل صلاة عيد الأضحى.
لقد كان المغاربة ينتظرون أن تغرق الأسواق بالأغنام بعد كل ما قيل عن برامج الدعم وإعادة تشكيل القطيع، وتوفر 40 مليون رأس من الاغنام. لكن الذي غرق، في نهاية المطاف، هو عدد من الأسر التي وجدت نفسها متورطة في الديون والالتزامات المالية من أجل توفير الأضحية. فبعدما كانوا ينتظرون أن ينخفض سعر الأضحية، تحولت هذه المناسبة إلى عبء ثقيل على ميزانية منهكة أصلا بفواتير القفة والكهرباء والمحروقات والتعليم والصحة واللائحة طويلة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي تجربة حكومية ليس نقص الأغنام ولا ارتفاع الأسعار، بل أن تتسع الهوة بين ما يراه المواطن وما يراه المسؤول. فعندما تصبح الحكومة عاجزة عن رؤية الواقع كما هو، أو غير راغبة في الاعتراف به، فإنها تفقد أهم أدواتها.. القدرة على خدمة المجتمع الذي تدبر شؤونه.
لهذا بدا تصريح رئيس الحكومة وكأنه صادر عن شخص لا يقتني الأغنام من الأسواق التي يرتادها المغاربة، ولا يشتري حاجياته من المحلات نفسها، ولا يعيش تحت ضغط القدرة الشرائية نفسها. وباختصار، بدا وكأنه يتحدث من مكان بعيد جدا عن ذلك المغرب الذي يعرفه المواطنون، ويعيشونه كل يوم، ويدفعون ثمن سياسات حكومته من جيوبهم وأعصابهم وأحلامهم الصغيرة.
وفي النهاية، لا تكذب الأسواق. قد تتضارب الأرقام، وقد تختلف التأويلات، لكن السوق يظل الاستفتاء الحقيقي على نجاح السياسات العمومية. وما قالته الأسواق هذا العام كان واضحا.. الدعم كان سخيا، أما الأثر على المواطن فكان هزيلا.. وبين سخاء الدعم وهزالة الأثر، توجد أسئلة كثيرة ما تزال تنتظر جوابا.
أخنوش الذي لا يقتني الأغنام ولا يمشي في الأسواق







