نجح المغرب، خلال السنوات الست الأخيرة، في تعبئة أكثر من 125 مليار درهم عبر ما يعرف بـ”التمويلات المبتكرة”، وهي آلية مالية تقوم على بيع أصول مملوكة للدولة – من بينها مستشفيات ومقار مؤسسات عمومية – ثم استئجارها لفترات طويلة قبل استعادتها. ورغم أن هذه العمليات وفّرت سيولة مهمة وخفّضت نسبياً من حاجة الدولة إلى الاقتراض، فإنها خلّفت جدلاً واسعاً داخل البرلمان، خاصة من طرف المعارضة التي تعتبرها شكلاً غير مباشر من الخصخصة.
بدأ المغرب العمل بهذه الآلية منذ سنة 2019، حيث يتم تحويل ملكية مبانٍ حكومية إلى مؤسسات عمومية أو مالية مقابل مبلغ فوري يدخل خزينة الدولة، ثم إبرام عقد “تأجير تمويلي” لمدة قد تصل إلى 30 سنة، بفائدة لا تتجاوز 6%، على أن تستعيد الدولة تلك الأصول عند نهاية العقد.
وتشير معطيات حصلت عليها “الشرق” إلى أن العمليات شملت مستشفيات جامعية ومقار صناديق التقاعد وصندوق الإيداع والتدبير والبنك الفلاحي، وهو ما أثار مخاوف بشأن تأثير ذلك على جودة الخدمات العمومية.
وخلال مناقشة مشروع قانون مالية 2026، شدد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، على أن الأمر لا يتعلق ببيع نهائي أو خصخصة، بل بـ”تثمين أصول الدولة وإعادة توجيه قيمتها نحو مشاريع جديدة”. وقال:“نحن لا نبيع ولا نخصخص… نحرّك قيمة أصل قائم لبناء أصل جديد”.
لكن المعارضة اعتبرت أن المساس بمرافق حساسة كالمستشفيات والجامعات يحمل مخاطر مستقبلية ويفتح الباب أمام تراجع دور الدولة في القطاعات الاجتماعية.
وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني نبهت في تقرير حديث إلى أن هذه الآليات يجب أن تبقى استثنائية وغير متكررة، معتبرة أن الاعتماد المتزايد عليها قد يضر بمصداقية مسار الضبط المالي، وداعية إلى تعزيز الموارد الذاتية المستدامة.
من جانبه، يرى الخبير محمد عفيفي أن الحكومة ستتجه تدريجياً نحو تقليص استخدام هذه التمويلات بين 2025 و2027 مع تحسن الإيرادات الضريبية واستقرار النفقات.
تزامنت زيادة اللجوء إلى “التمويلات المبتكرة” مع ارتفاع غير مسبوق في الإنفاق العمومي، خاصة المرتبط بالمشاريع الكبرى استعداداً لاحتضان كأس العالم 2030، حيث يقترب حجم الاستثمارات المبرمجة إلى نهاية العقد من تريليون درهم.
وفي المقابل، ارتفعت الإيرادات الضريبية بشكل ملحوظ لتبلغ 280 مليار درهم خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة، بدعم من إصلاحات ضريبية همت تبسيط المعدلات وتوسيع الوعاء الضريبي.
ساهمت الإيرادات المتأتية من بيع الأصول إلى جانب النمو الضريبي في تسجيل تراجع متوقع لعجز الميزانية إلى 3% سنة 2026، مقارنة بـ3.5% في 2024. وتبقى هذه الأرقام قريبة من توقعات “فيتش” التي قدّرت العجز بـ3.8% هذه السنة و3.1% في المتوسط بحلول 2027.
ورغم أن الدولة دفعت هذا العام حوالي 7 مليارات درهم كإيجارات ضمن عقود التمويلات المبتكرة، فإن إيرادات هذه العمليات تجاوزت 18.8 مليار درهم حتى نهاية أكتوبر.
ويؤكد لقجع أن استمرار تحسن الموارد الضريبية سيُغني المغرب عن اللجوء لهذه الآلية خلال سنوات قليلة، قائلاً:“عندما تتوسع الإيرادات ونحقق هوامش مالية كافية، سيكون ممكناً التخلي عن التمويلات المبتكرة… وأتوقع أن سنة 2027 ستشهد نهايتها”.
الشرق بتصرف







