كان ذلك سنة 2008، في سياق تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة بموجب القانون رقم 28.08 الصادر في نفس السنة، حيث أدرج المشرع المغربي مقتضى جديدا شكل تحولا مهما في تدبير أموال الموكلين، تمثل في إحداث “حساب الودائع والأداءات” على صعيد كل هيئة من هيئات المحامين. أثار هذا المقتضى حينها، المنصوص عليه في المادة 57، نقاشا مهنيا واسعا عند صدوره، بين من رآه ضمانة ضرورية لحماية حقوق المتقاضين، ومن اعتبره تدخلا يمس باستقلالية المهنة.
أسباب نزول المقتضى
قبل سنة 2008، كانت المبالغ التي يتسلمها المحامي لفائدة موكله تدار عموما ضمن ذمته المالية الشخصية، مما فتح الباب أمام مخاطر الاختلاط بين أموال الموكل وأموال المحامي، وأحيانا أثيرت شبهات سوء التدبير. وقد سجلت بعض الحالات المهنية صعوبات في تتبع هذه الأموال أو استرجاعها، مما أثر على صورة المهنة وعلى ثقة المتقاضين.
ثم جاءت المادة 57 لتؤسس على صعيد كل هيئة حسابا خاصا بالودائع والأداءات، يديره مجلس الهيئة، وتودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة للمحامين على سبيل الوديعة، وكذا المبالغ الناتجة عن تنفيذ المقررات القضائية مثل تعويضات حوادث السير والتأمينات وغيرها. كما ألزم النص الإدارات العمومية والمؤسسات الشبه العمومية والشركات الخاصة والعامة، تحديدا، بإيداع المبالغ العائدة لموكلي المحامين في هذا الحساب، مع ترتيب جزاء انعدام القوة الإبرائية في حالة المخالفة.
عرف الموضوع نقاشا مستفيضا حينها، وقد فسرت عدد من الكتابات المهنية الصادرة آنذاك، خاصة خلال سنتي 2009 و2010، أن الغاية الأساسية من هذا المقتضى هي إخراج أموال الموكلين من الذمة المالية الشخصية للمحامي، بغية تعزيز الشفافية في تدبير أموال الغير، وتحصين المهنة من الشبهات المرتبطة بتدبير الودائع.
تخوفات المحامين عند صدور المقتضى
لم يمر إحداث حساب الودائع، حينها، دون تحفظات داخل الوسط المهني. فقد عبر عدد من المحامين آنذاك عن مخاوف تتعلق أساسا بالخشية من بيروقراطية جديدة تعرقل سرعة الأداءات المهنية، والتخوف من أن يفهم المقتضى على أنه انتقاص من الثقة في المحامي، والقلق من آليات الرقابة الداخلية على الحساب، ومدى قدرة الهيئات على تدبيره بكفاءة دون التأثير على استقلالية الممارس.
انعكس هذا النقاش في مقالات مهنية صدرت خلال سنة 2009، وفي اجتماعات هيئات المحامين، حيث برز تيار يدافع عن المقتضى باعتباره حماية للمهنة ذاتها، وتيار آخر يرى فيه تدخلا تشريعيا، يمس بالاستقلالية وقد يفتح الباب أمام مزيد من الرقابة مستقبلا.
آليات الرقابة الداخلية في ظل القانون رقم 28.08
اختار المشرع سنة 2008 أن تكون الرقابة على حساب الودائع داخلية ومهنية أساسا، وتتمثل أهم آلياتها في:
– إدارة الحساب من طرف مجلس هيئة المحامين تحت إشراف النقيب.
– تنظيم تفاصيل التسيير والرقابة بموجب النظام الداخلي لكل هيئة.
– مسك سجلات يومية للعمليات في معظم الهيئات.
– إجراء تدقيق مالي سنوي داخلي في عدد من الهيئات تحت إشراف النقيب ومجلسها.
– إمكانية تدخل النيابة العامة عند تقديم شكاية من مجلس الهيئة أو عند وجود شبهات جدية بالاختلاس.
غير أن هذه الآليات بقيت مرتبطة بمدى صرامة كل هيئة ونقيبها، ولم تكن موحدة أو ملزمة بنفس الدرجة في جميع الهيئات. ورغم وجود هذه الآليات الرقابية الداخلية، فإن الممارسة سجلت عدة اختلالات، من بينها ما حدث في هيئة المحامين بالقنيطرة سنة 2015، حيث سجلت اختلاسات كبيرة من حساب الودائع قدرت بمبلغ يضاهي المليار سنتيم أو يفوقه. حينها وضع مجلس الهيئة شكاية لدى الوكيل العام للملك، ففتحت النيابة العامة تحقيقا، وصدرت مذكرة بحث وطنية في حق المحامي المعني بعد فراره، كما توبع موظف حساب الودائع والأداءات.
ثم هناك واقعة حدثت في هيئة المحامين بالدار البيضاء مؤخرا وصدر فيها بلاغ لهيئة المحامين بالدار البيضاء، حيث قام أحد أعضاء مجلس الهيئة بسحب مبلغ 63 مليون سنتيم مرتين من حساب الودائع بادعائه ضياع الشيك الأول. فتح المجلس تحقيقا مستعجلا وأصدر قرارا بتوقيف المحامي لمدة سنة، مع دعوات لتدخل النيابة العامة.
أيضا في هيئة المحامين بالرباط سجلت حالات استيلاء محامين على ودائع موكليهم أو تعويضات قضائية دون مرورها بحساب الودائع، بعضها تجاوز مليار ونصف سنتيم، بعضها مرتبط بتعويضات المكتب الوطني للسكك الحديدية، فاتخذ المجلس قرارات تأديبية وصلت إلى حد التشطيب من الجدول.
هذه الحالات أظهرت إلى ما حدود الاعتماد الحصري على الرقابة الداخلية، وشكلت أحد الخلفيات العملية التي استند إليها النقاش لاحقا حول ضرورة تعزيز آليات الرقابة. فإذا كانت الدولة، من خلال المشرع في القانون رقم 28.08، قد أحدثت حساب الودائع والأداءات بمقتضى المادة 57 بهدف حماية أموال المتقاضين، وتركت مهمة تدبيره لمجالس هيئات المحامين، فإن الممارسة العملية قد أبانت أن هذا التدبير الداخلي، رغم أهميته، لم ينجح بالقدر الكافي في الحد من مخاطر الاختلالات والشبهات والتجاوزات.
ومن ثم، فإن الغاية الأولى التي تأسس عليها هذا الحساب تبقى غاية دستورية بامتياز، تتمثل في حماية حقوق المواطنين، وهي واجب يقع على عاتق الدولة. وبناء عليه، فإن المقتضى الجديد الوارد في القانون رقم 66.23، القاضي بإخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، يجد ما يبرره من خلال ما أسفرت عنه الممارسة طيلة أكثر من خمسة عشر سنة.
خلاصة
يظهر تتبع الكتابات المهنية الصادرة مباشرة بعد صدور القانون رقم 28.08، وكذا الممارسة اللاحقة، أن إحداث حساب الودائع والأداءات كان تعبيرا عن توجه تشريعي يهدف إلى تعزيز الثقة في مهنة المحاماة وحمايتها من خلال حماية أموال المتقاضين. غير أن هذا التوجه ووجه بتحفظات مهنية مشروعة آنذاك، وكشفت الممارسة عن اختلالات متفرقة أظهرت حدود الرقابة الداخلية وحدها.
ويظل هذا النقاش الذي دار قبل أكثر من خمسة عشر عاما ذا دلالة اليوم، في ظل عودة الموضوع إلى الواجهة التشريعية من جديد، وإقرار آليات رقابة خارجية إضافية في القانون الجديد.
لذلك،و لئن بدا لبعض الآراء أن تدخل المجلس الأعلى للحسابات في مراقبة تدبير هذا الحساب قد يثير إشكالا دستوريا، فإن الغاية التي يستهدفها تظل دستورية في جوهرها. ذلك أن القاضي الدستوري لا يقوم بمطابقة النصوص مع الدستور بشكل آلي و اوتوماتيكي، بل هو جهة تسنبط المبادئ و تعمل على موازنة المصالح مع المخاطر والأضرار، لاستخراج المبدأ الواجب التطبيق الذي ينسجم مع غايات الوثيقة الدستورية، مع مراعاة الخصوصية المغربية، ودون الإضرار باستقلالية المحامي في أداء مهامه الدفاعية أمام المحاكم.







