نجح عزيز أخنوش،رئيس حزب الأحرار السابق والفعلي، في التخلص من جميع الأصوات التي كانت تزعجه خلال ولايته الحكومية.
لكنه لم يفلح في كتم صوت والي بنك المغرب، الذي عرّى أعطاب السياسات الحكومية أمام الملك، أسابيع قبل الانتخابات.
أخنوش تخلص من لحليمي، الذي كان مثل “بوغطاط” حقيقي لرئيس الحكومة مع كل ندوة صحفية يعقدها، أو بلاغ تصدره المندوبية السامية للتخطيط، وجاء ببنموسى ومعه سطل صباغة وردي.
كما ارتاح من صداع لبشير الراشدي، الرئيس السابق لهيئة النزاهة، لكنه وقف عاجزاً أمام عبد اللطيف الجواهري، الذي نسف فقاعات الحكومة واحدة تلو الأخرى وهو يقدم تقريره السنوي أمام الملك، بل وكشف، أن ما يحدث في هذا البلد السعيد هو إعادة تدوير نفس الأعطاب القديمة بتلفيف جديد.
قراءة بسيطة في ما قاله الجواهري كافية لنخرج بقناعة مفادها أن حكومة أخنوش تمادت في “ضوباج” الأرقام، وفي الهرولة نحو تنمية دون أثر، ورعت جينات الغلاء والسخط والاحتقان، التي أخرجت لنا احتجاجات جيل زد كمقدمة.
ورغم أن الاقتصاد المغربي سجل نمواً بلغ 4.9 في المائة خلال سنة 2025، وتحسنت عدد من المؤشرات الماكرو-اقتصادية، حمل تقرير الجواهري رسائل نقدية قوية بشأن حصيلة السياسات الاقتصادية، محذراً من اتساع الفجوة بين الأداء الاقتصادي كما تعكسه الأرقام، وبين الواقع الذي يعيشه المواطنون في زمن الدولة الاجتماعية.
وفي واحدة من أبرز خلاصات التقرير، أقر بنك المغرب بأن التحسن المسجل في النمو لم ينعكس بالشكل الكافي على معيش الأسر المغربية، مشيراً إلى أن الاقتصاد الوطني أصبح أقل قدرة على خلق فرص الشغل، وهو ما يفسر استمرار البطالة في مستويات مرتفعة، رغم تحسن النشاط الاقتصادي.
وتؤكد الأرقام الواردة في التقرير هذا التناقض؛ فبينما ارتفع النمو إلى 4.9 في المائة، مقابل 3.8 في المائة سنة 2024، ظل معدل البطالة عند مستويات مقلقة بلغت 13 في المائة، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، في وقت لم تتمكن فيه سوق الشغل من استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين عليها.
وسجل التقرير أن الاقتصاد الوطني خلق حوالي 82 ألف منصب شغل فقط خلال سنة 2025، وهو رقم يظل بعيداً عن حاجيات السوق، في ظل استمرار فقدان مناصب الشغل في القطاع الفلاحي بسبب توالي سنوات الجفاف، واستمرار هشاشة التشغيل في عدد من القطاعات.
ولم يقف الجواهري عند حدود تشخيص اختلالات سوق الشغل، بل انتقد، بشكل غير مباشر، محدودية أثر الاستثمارات العمومية على خلق فرص العمل، مبرزاً أن النمو الحالي يعتمد بشكل كبير على الإنفاق العمومي، بينما يظل الاستثمار الخاص دون المستوى المطلوب، وهو ما يقلص قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام وشامل.
كما توقف التقرير عند التفاوتات الاجتماعية والمجالية، معتبراً أن ثمار النمو لا تصل بالقدر الكافي إلى مختلف فئات المجتمع، وهو ما ينعكس على مؤشرات الثقة والاستهلاك. وفي هذا السياق، حذر من استمرار الفوارق في الولوج إلى التعليم والصحة وفرص الشغل، معتبراً أن هذه الاختلالات تحد من فعالية السياسات الاقتصادية.
وفي ملف التعليم، شدد والي بنك المغرب على أن إصلاح المنظومة التعليمية والتكوين المهني لم يعد خياراً، بل أصبح شرطاً أساسياً لرفع الإنتاجية وتحسين قابلية التشغيل، داعياً إلى تسريع الإصلاحات وربطها بحاجيات الاقتصاد الوطني، وهي رسالة صريحة تحذر من العبث الذي حملته مشاريع وزراء الأحرار.
كما أعاد التقرير فتح ملف إصلاح أنظمة التقاعد، محذراً من أن استمرار تأجيل هذا الورش سيؤدي إلى تفاقم الاختلالات المالية مستقبلاً، داعياً إلى اتخاذ قرارات في الوقت المناسب لتفادي ارتفاع كلفة الإصلاح.
وعلى مستوى المالية العمومية، أوصى بنك المغرب بمواصلة إصلاح منظومة الدعم والامتيازات الضريبية، وتحسين توجيه الإنفاق العمومي نحو القطاعات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر، بما يعزز نجاعة السياسات العمومية.
الرسالة الأساسية التي حملها التقرير كانت واضحة: تحقيق النمو وحده لم يعد كافياً إذا لم ينعكس على التشغيل والدخل وجودة الخدمات العمومية ومستوى عيش المواطنين، وهي أعطاب كافية لجعل السلم الاجتماعي هشاً، كما أنها تجعل بذور الاحتجاج تُطبخ على نار هادئة.







