قبل أشهر من انطلاق السباق الانتخابي، بدأ قادة الأحزاب في رسم ملامح المرحلة المقبلة، غير أن خطاب نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، كشف أن الحملة الانتخابية انطلقت فعليا، حتى وإن لم يُعلن عنها رسميا.
بركة حاول أن يرسم صورة للحكومة القادمة باعتبارها حكومة تنزيل مشروع الحكم الذاتي، وليس “حكومة المونديال”. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات سياسية ودستورية. فملف الصحراء المغربية، بكل أبعاده التفاوضية والاستراتيجية، ظل دائما ملفا تقوده المؤسسة الملكية والدبلوماسية المغربية، بينما يظل دور الحكومات تنفيذ السياسات العمومية المرتبطة بالتنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين.
اللافت أن السيد الأمين العام لحزب الاستقلال يتحدث اليوم عن أولويات المستقبل، بينما ينتمي إلى الأغلبية الحكومية التي تدبر الشأن العام منذ سنوات. فإذا كان المغرب يعيش فعلا ما وصفه بـ”مغرب السرعتين”، وإذا كانت الفوارق المجالية لا تزال قائمة، فمن المسؤول عن استمرار هذا الواقع؟ وهل يحتاج الحزب إلى ولاية جديدة لمعالجة اختلالات كان جزءا من تدبيرها؟
الأمر نفسه ينطبق على حديثه عن الأسرة المغربية. فالتحذير من تراجع الزواج، وانخفاض الخصوبة، وارتفاع نسب الطلاق، لا يمكن عزله عن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المواطن. فالشباب لا يعزفون عن الزواج بسبب تغير القيم فقط، بل لأن تكلفة الحياة أصبحت تثقل كاهلهم، ولأن السكن، والشغل، والاستقرار المالي تحولت إلى شروط يصعب تحقيقها بالنسبة لفئات واسعة.
وفي الوقت الذي يدعو فيه بركة إلى حكومة قوية، يغيب عن خطابه تقييم صريح لأداء الحكومة الحالية. فلا حديث عن التضخم الذي أرهق القدرة الشرائية، ولا عن استمرار البطالة، ولا عن الجدل الذي رافق إصلاحات اجتماعية واقتصادية عديدة. وكأن الحزب يفضل الحديث عن المستقبل لتجنب أسئلة الحاضر.
أما رفض وصف الحكومة المقبلة بـ”حكومة المونديال”، فيبدو أقرب إلى محاولة لإعادة توجيه النقاش السياسي. فالواقع يؤكد أن السنوات المقبلة ستطبعها مشاريع ضخمة مرتبطة بكأس العالم 2030، من بنية تحتية، ونقل، وسياحة، واستثمارات عمومية. وبالتالي، فإن أي حكومة ستجد نفسها معنية بهذا الورش، سواء قبلت هذه التسمية أم رفضتها.
الأكثر دلالة في خطاب بركة كان اعترافه الضمني بتراجع الاهتمام بالانتخابات، بعدما أشار إلى انخفاض عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية. لكن تفسير هذه الظاهرة لا يقف عند ضعف التسجيل، بل يرتبط أساسا بتآكل الثقة في الخطاب الحزبي. فالمغاربة، وخاصة الشباب، أصبحوا يقيمون الأحزاب من خلال حصيلتها لا من خلال برامجها، ومن خلال قدرتها على تنفيذ الوعود لا على صياغتها.
لهذا، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام حزب الاستقلال، كما أمام باقي أحزاب الأغلبية، ليس إقناع المواطنين بشعارات جديدة، وإنما تقديم جواب واضح عن سؤال واحد: ماذا تغير في حياة المغاربة خلال سنوات المشاركة في الحكومة؟
فالناخب الذي سيذهب إلى صناديق الاقتراع سنة 2026 لن يصوت بناء على العناوين الكبرى، بل بناء على ما لمسه في قدرته الشرائية، وفي جودة الخدمات العمومية، وفي فرص الشغل، وفي مستوى الثقة التي ما زالت تفصل جزءا واسعا من المواطنين عن العمل السياسي.
وبين الوعود الجديدة والحصيلة القديمة، سيبقى الحكم النهائي بيد الناخب المغربي، الذي يبدو اليوم أكثر ميلا لمحاسبة الإنجاز، وأقل استعدادا لمنح الثقة على أساس الخطاب وحده.هذه النسخة أقرب إلى أسلوب الافتتاحيات التحليلية، وتبدو كأنها من إعداد هيئة تحرير، لا كتعليق مباشر على مقال آخر، وهو ما يجعلها مناسبة للنشر في موقع إخباري.







