بعد خمس سنوات من وصوله إلى رئاسة الحكومة، لم يعد حزب التجمع الوطني للأحرار يملك الجرأة السياسية ليخاطب المغاربة باللغة ذاتها التي خاض بها انتخابات سنة 2021. فالحزب الذي رفع آنذاك شعار “تستاهلوا أحسن”، وقدّم نفسه باعتباره صاحب حلول جاهزة لكبرى الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية، واعداً بمليون منصب شغل والرفع من القدرة الشرائية وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، بات يجعل اليوم، في سنة 2026، من مفردات باردة وباهتة من قبيل “الإنصات” و”القرب” و”المواكبة” العناوين الأبرز لخطابه السياسي.
هذا التحول اللغوي المفاجئ يكشف عن انتقال لافت من خطاب يقوم على التعهدات الكبرى إلى خطاب انكماشي ومتحفظ يحاول عبره الحزب تدبير كلفة خيباته السياسية والانتخابية، والتخفيف من حدة الحساب المقبل بعدما استُنزف جزء كبير من رصيده السياسي أمام صدمة الواقع المعيش للمغاربة.
وتفيد قراءة مسار هذا التراجع الخطابي لـ”الحمامة” خلال السنوات الخمس الماضية بأن الحزب مر بثلاث محطات متمايزة؛ بدأت الأولى عام 2021 كمرحلة لتسويق وعود انتخابية غير مسبوقة، عبر توظيف آلته التواصلية والمالية لإقناع الفئات الهشة والمتوسطة بأن الفرج قادم على يد تكنوقراط الاقتصاد، وأن الانتقال إلى مغرب “يستاهل أحسن” لم يعد سوى مسألة وقت.
ثم تلتها المرحلة الثانية بين عامي 2021 و2025، والتي تميزت بالدفاع المستميت عن قرارات حكومية مثيرة للجدل، مع الاختباء وراء شماعة “الظرفية الدولية” والجفاف، في وقت كان فيه المواطن يكتوي بنيران تضخم غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة وتآكل حاد لقدرته الشرائية، بالتوازي مع أرقام البطالة التي واصلت منحاها التصاعدي وفق المعطيات الرسمية. لتأتي المحطة الثالثة اليوم كمرحلة للهروب إلى الأمام؛ حيث استيقظ الحزب على وقع اقتراب إسدال الستار على ولايته ليجد نفسه عاجزاً عن تسويق أي وعد جديد، فقرر الاحتماء خلف شعار “الإنصات” لتخفيض سقف توقعات الناخبين بشكل استباقي، وكأنه يمارس إنصاتاً إكلينيكياً لامتصاص الغضب المتصاعد.
وفي هذا السياق بالذات، يمكن فهم الإنزال القيادي الأخير للحزب بمدينة زاكورة، بحضور راشيد الطالبي العلمي ومصطفى بايتاس ومحمد أوجار، ليؤكد استمرار هذا الهروب الجماعي نحو الميدان لتسويق خطاب “الإنصات” في الأنفاس الأخيرة من الولاية الحكومية. فالنزول المكثف إلى الهوامش خلال الأشهر الأخيرة لا يبدو بعيداً عن السياق الانتخابي الذي بدأت ملامحه ترتسم مبكراً، خصوصاً بالنسبة إلى حزب يقود الحكومة منذ خمس سنوات ويستعد لخوض استحقاقات جديدة ستكون فيها حصيلته الحكومية في صلب النقاش السياسي أكثر من وعوده الانتخابية السابقة التي تبخر جزء كبير منها أمام امتحان الواقع.
ويطرح هذا التحول بدوره أسئلة سياسية حارقة بشأن أسباب عودة الحزب إلى مفردة “الإنصات” تحديداً، بعدما قدم نفسه قبل سنوات باعتباره حزباً يملك الأجوبة؛ فالناخب الذي استمع سنة 2021 إلى وعود معسولة، لا ينتظر اليوم خطاباً يعيد طرح الأسئلة عليه، بقدر ما ينتظر كشف حساب حقيقي يبرر البون الشاسع بين العهد والوفاء.
وفي قراءة تحليلية لهذا المسار، يرى حميد صونار، الباحث في العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الأحزاب السياسية حين تكون في المعارضة تبيع الأمل للناخبين، وحين تصل إلى السلطة تصبح مطالبة ببيع الحصيلة، لكن حين تتحول من خطاب الوعد إلى خطاب الإنصات فإن ذلك يعكس في الغالب إدراكاً سياسياً بأن هامش إنتاج الوعود قد تقلص، وأن الانتخابات المقبلة ستكون امتحاناً عسيراً للحصيلة أكثر منها امتحاناً للخطاب السياسي.
ويضيف صونار، في اتصال هاتفي مع نيشان، أن حزب التجمع الوطني للأحرار رفع سقف التوقعات لدى المغاربة إلى مستويات عالية جداً سنة 2021، ولذلك فإن تقييم تجربته الحكومية اليوم لا يتم انطلاقاً من عدد اللقاءات التواصلية التي يعقدها في المداشر والقرى، وإنما من خلال حجم الفجوة بين ما وعد به الناخبين وما تحقق فعلياً على أرض الواقع.
وتابع الباحث نفسه أن الإنصات يبقى آلية للتواصل السياسي وليس برنامجاً انتخابياً، كما أنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الأرقام والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الصادمة التي تبصم عليها المندوبية السامية للتخطيط وتكشف واقع البطالة والتضخم.
وأوضح الباحث أن الحديث المتكرر عن القرب والإنصات في نهاية الولايات الحكومية يعكس محاولة متأخرة لإعادة بناء العلاقة مع الناخبين بعدما يكون الحزب قد استنفد جزءاً مهماً من رأسماله الانتخابي، مؤكداً أن المغاربة الذين صوتوا سنة 2021 بناء على قوة الشعارات، سيصوتون في المحطة القادمة انطلاقاً من أثر السياسات العمومية على جيوبهم ومعيشتهم اليومية.
وبين شعار “تستاهلوا أحسن” الحالم وخطاب “الإنصات” المتوجس، تتجلى المسافة السياسية التي قطعتها تجربة “الأحرار” خلال خمس سنوات من تدبير الشأن العام؛ وهي مسافة تكشف حجم الخيبة الشعبية من تجربة قادها تكنوقراط ورجال أعمال اعتقدوا أن إدارة الدولة تشبه إدارة الشركات.
فالحزب الذي دخل إلى الحكومة واعداً بحلول كبرى، يجد نفسه اليوم مجبراً على خوض معركة مختلفة، عنوانها الأساسي محاولة الدفاع عن حصيلته الحكومية وتبرير الهوة السحيقة بين ما وُعد به المغاربة بالأمس وما يعيشونه اليوم على أرض الواقع، في وقت تشير فيه كل المؤشرات إلى أن خريف “الحمامة” قد بدأ بالفعل، وأن صناديق الاقتراع هي من ستضع النقطة الأخيرة في نهاية كتاب الوعود الذي لم يكتمل.







