لم يكن إقصاء المنتخب الوطني المغربي من ربع نهائي كأس العالم 2026 أمام فرنسا هو الحدث الوحيد الذي أثار نقاشا واسعا في الشارع الرياضي، بل إن التصريحات التي أدلى بها الناخب الوطني محمد وهبي بعد العودة إلى المغرب فتحت بدورها بابا جديدا للنقاش، ليس حول الاختيارات التقنية فقط، وإنما حول العقلية التي قادت المنتخب في واحدة من أهم مباريات تاريخه.
فعندما يقول مدرب منتخب بلغ ربع نهائي كأس العالم إنه كان يتمنى “إزعاج فرنسا”، وإنه يأمل أن يتمكن من القيام بذلك مستقبلا، فإن الأمر يتجاوز مجرد زلة لسان أو سوء تعبير، ليعكس فلسفة كاملة في التعامل مع المنافسة. فمنتخب بحجم المغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة تجربة دولية كبيرة وأصبح يضم لاعبين يمارسون في أكبر الأندية الأوروبية، لا يمكن أن يدخل مباراة من هذا الحجم بهدف “إزعاج” منافسه، بل بهدف هزيمته.
والمفارقة أن مباريات المربع الذهبي للمونديال وما تلاها قدمت الدليل العملي على أن فرنسا ليست ذلك المنتخب الذي لا يقهر. فقد نجحت إسبانيا، بفضل شخصيتها القوية وشجاعتها الهجومية، في إقصاء المنتخب الفرنسي، بينما أظهرت إنجلترا بدورها أن مواجهة “الديوك” لا تحتاج إلى عقدة نفسية بقدر ما تحتاج إلى إيمان بالقدرات والانتصار للعقلية التنافسية.
هذا الواقع يطرح سؤالا مشروعا: ماذا لو دخل المنتخب المغربي مواجهة فرنسا بنفس العقلية التي دخلت بها إسبانيا المباراة؟ وماذا لو كان الخطاب الموجه للاعبين يقوم على أن الفوز ممكن، بدل الاكتفاء بمحاولة “إزعاج” المنافس؟
في كرة القدم الحديثة، الجانب النفسي لا يقل أهمية عن الجانب التكتيكي. فالمدرب ليس مجرد واضع للخطط، بل هو أيضا قائد يصنع الثقة ويزرع الإيمان داخل المجموعة. وأحيانا تكون الكلمات التي تقال داخل غرفة الملابس، أو حتى في الندوات الصحافية، عاملا مؤثرا في تشكيل العقلية التي يدخل بها اللاعبون أرضية الميدان.
ومن هذه الزاوية، يصعب تجاهل أن تصريحات محمد وهبي بعد الإقصاء أعطت الانطباع بأن سقف الطموح لم يكن مرتفعا بالقدر الذي كان ينتظره المغاربة من منتخبهم. وهو ما يجعل الانتقاد موجها إلى الخطاب الذهني أكثر مما هو موجه إلى النتيجة في حد ذاتها، لأن الخسارة أمام منتخب كبير مثل فرنسا تبقى أمرا واردا، أما الإيحاء بأن مجرد إزعاجه كان هدفا كافيا، فهو ما أثار الاستغراب.
ولعل الأكثر أهمية هو أن هذه التصريحات أعادت قراءة المباراة من زاوية مختلفة، وجعلت كثيرين يتساءلون عما إذا كان المنتخب قد دخل المواجهة وهو مقتنع فعلا بإمكانية صناعة المفاجأة، أم أنه دخلها وهو يعتبر الوصول إلى ربع النهائي إنجازا كافيا.
إن المنتخب المغربي لم يعد ذلك المنتخب الذي يحتفل بالمشاركات المشرفة، بل أصبح يمثل مدرسة كروية صاعدة، ويضم أسماء فرضت نفسها في أكبر البطولات الأوروبية. ولذلك فإن الخطاب الذي ينتظره المغاربة من مدربهم هو خطاب الانتصار والطموح، حتى وإن انتهت المباراة بالخسارة.
واليوم، وبعد تجديد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم الثقة في محمد وهبي، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن قرار التجديد نفسه: هل ناقشت الجامعة مع المدرب هذا الجانب الذهني والتواصلي؟ وهل تم تقييم الرسائل التي بعث بها للرأي العام وللاعبيه خلال المونديال؟ لأن تقييم التجربة لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام والنتائج، بل يجب أن يشمل أيضا الفلسفة التي قادت المنتخب في لحظاته الحاسمة.
كما أن وهبي، إذا كان مقتنعا بأن بعض تصريحاته لم تكن موفقة أو أوصلت رسائل سلبية، فإن الاعتراف بذلك لن ينتقص من مكانته، بل قد يعكس شجاعة في مراجعة الذات. فالجماهير المغربية لا تطالب مدربها بضمان الفوز في كل مباراة، لكنها تنتظر منه أن يدخل كل مواجهة بعقلية الانتصار، وأن ينقل هذا الإيمان إلى لاعبيه وإلى الرأي العام.
لقد أثبتت إسبانيا، ومعها إنجلترا في أجزاء كبيرة من مواجهتهما أمام فرنسا، أن احترام الخصم لا يعني التسليم بتفوقه، وأن الفرق الكبرى تصنع تاريخها عندما تؤمن بأنها قادرة على الانتصار، لا عندما تكتفي بإزعاج منافسيها.
وفي النهاية، قد تكون خسارة مباراة جزءا من كرة القدم، لكن خسارة معركة الثقة والإيمان بالقدرات قد تكون أكثر كلفة على أي مشروع رياضي يسعى إلى كتابة التاريخ.
فهل يعتذر وهبي للمغاربة عن هذا الخطأ الجسيم؟







