عندما تعلن المندوبية السامية للتخطيط أن 2.6 في المائة فقط من الأسر المغربية قادرة على الادخار، فإن هذه النسبة لا تكشف فقط هشاشة الوضع الاجتماعي، بل تضع الخطاب الرسمي لحكومة عزيز أخنوش أمام محك حقيقي.
ففي الوقت الذي لا تتوقف فيه “حكومة أخنوش” عن التسويق لشعار “الدولة الاجتماعية” والتأكيد على ما تعتبره مؤشرات اقتصادية إيجابية، تكشف المعطيات الرسمية ذاتها أن أكثر من 97 في المائة من العائلات تعيش اليوم من دون أي هامش ادخاري يقيها تقلبات الأسعار والأزمات الطارئة، بما يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي.
ويضع هذا الانسداد المالي غالبية الأسر المغربية أمام خيارات قاسية تتراوح بين استنزاف ما تبقى من مدخرات السنوات الماضية أو اللجوء إلى الاستدانة. كما تعكس أرقام بنك المغرب المتعلقة بالقروض الاستهلاكية منحى تصاعديا يفصح عن تنامي لجوء المواطنين إلى الاقتراض، ليس بالضرورة لتحسين مستوى العيش أو اقتناء تجهيزات جديدة، بل لتغطية العجز الشهري وتأمين المصاريف الأساسية والطارئة، من علاج وتطبيب إلى شراء المواد الغذائية. وهو واقع تختزل فيه كلفة غلاء المعيشة جزءا مهما من الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الطبقة الوسطى والفئات الهشة، ويطرح تساؤلات بشأن الأثر الاجتماعي للإصلاحات المعلنة.
وفي الوقت الذي تصر فيه الحكومة على تقديم معدل النمو الاقتصادي، الذي ناهز 4.4 في المائة، باعتباره مؤشرا على نجاعة خياراتها الاقتصادية، تفكك معطيات تقرير لمركز “أوميغا” للدراسات والتقارير الاقتصادية والسياسية هذه المفارقة.
ويوضح التقرير أن ثمار النمو تنعكس بالأساس على تراكم أرباح الشركات الكبرى ورأس المال، فيما لا تتحول بالقدر نفسه إلى أجور مجزية أو دخل متاح ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين. وهو ما يفسر، بحسب التقرير، تصريح 78.3 في المائة من الأسر بتدهور مستوى معيشتها، إذ إن ارتفاع حجم المصاريف الشهرية لا يعبر بالضرورة عن تحسن في جودة الحياة، بقدر ما يترجم حجم الضغط الذي يفرضه التضخم المستمر على ميزانيات الأسر.
وفي قراءة لهذه المعطيات، ترى مصادر اقتصادية أن استمرار الفجوة بين مؤشرات النمو الاقتصادي والمؤشرات الاجتماعية يعكس محدودية قدرة السياسات العمومية على تحويل الدينامية الاقتصادية إلى تحسن ملموس في مستوى عيش المواطنين. كما تعتبر أن التركيز على مؤشرات النمو وحدها، من دون مواكبتها بإجراءات أكثر فعالية لحماية القدرة الشرائية وضبط الأسعار، لا يكفي لترجمة الأرقام الماكرو اقتصادية إلى مكاسب اجتماعية يشعر بها المغاربة في حياتهم اليومية.
وتذهب المصادر ذاتها إلى أن تنزيل مفهوم “الدولة الاجتماعية” يظل رهينا بمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق توازن أكبر بين تشجيع الاستثمار وتعزيز العدالة التوزيعية، عبر مراجعة سياسة الأجور وتوسيع آليات الحماية الاجتماعية وضمان انعكاس ثمار النمو على مختلف الفئات الاجتماعية، خاصة في ظل استمرار المؤشرات الرسمية في تسجيل تراجع ثقة الأسر في أوضاعها المعيشية.







