في الوقت الذي أطلّ فيه، أمس، عزيز أخنوش عبر فيديو ترويجي أُخرج بهندسة بصرية حديثة، على شاكلة المقاطع التي يظهر فيها قادة دول أوروبية وهم يخاطبون مواطنيهم من استوديوهات عصرية، كان المشهد السياسي المغربي يترقب المفارقة الأكبر في مسار هذا الرجل.
يظهر رئيس الحكومة في المقطع هادئاً، واثقاً، ومتحدثاً بنبرة متزنة عن “تحول اجتماعي واقتصادي عميق” قاده على امتداد خمس سنوات، بين 2021 و2026، لكنه يفعل ذلك وهو يقف وحيداً، خارج أسوار الحزب الذي صنعه وصنع منه، يوماً ما، أقوى رجل داخل الأغلبية.
فقبل أشهر قليلة، طُويت صفحته داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، في ترتيب تنظيمي هادئ قاده إلى مغادرة الرئاسة وتعويضه بمحمد شوكي. ورغم أن خطوة التسليم والتسلّم جرت بروح من التنسيق والود، بما يعكس طبيعة العلاقة داخل حزب يُوصف بـ”الإداري”، فإنها حملت، في عمقها، حكماً سياسياً نهائياً يضع حداً لطموحات أخنوش الانتخابية المقبلة، ويغلق، بشكل شبه نهائي، باب استمراره على رأس الجهاز التنفيذي.
وأمام هذا الواقع البارد، ووفق قراءات متقاطعة، يتبدّى البعد الإنساني والسياسي في خرجة أخنوش؛ فالرجل الذي استُنفد دوره التنظيمي داخل غرف الهندسة السياسية، يرفض، بذكاء “الأوليغارش” وعناد رجل الأعمال، أن يغادر المسرح مكبّلاً برواية “النهاية المحتومة”. لذلك اختار الالتفاف على صمت الكواليس، مخاطباً وجدان الشارع مباشرة، وباحثاً لنفسه عن صك غفران شعبي يحرر إرثه التدبيري من النسيان، وفق هذه القراءات.
نزل أخنوش إلى الساحة الرقمية متسلحاً بماكينة أرقام ثقيلة، صاغها فريقه كدرع يحمي سنوات عهدته؛ فتحدث بلغة الأرقام التي يتقنها عن 11 مليون مواطن في وضعية هشاشة شملهم نظام “أمو تضامن”، وعن 3.9 ملايين أسرة يتدفق الدعم الاجتماعي المباشر إلى جيوبها شهرياً، بمبالغ تتراوح بين 500 و1350 درهماً، وعن قفزة نوعية رفعت متوسط دخل الموظف في القطاع العام من 8237 درهماً في بداية ولايته إلى 10,600 درهم مع نهايتها. وكأنه يريد أن يقول للمغاربة إن سنوات الغلاء والأزمات المتتالية التي عاشوها لم تكن بسببه، بل إن حكومته كانت تُعدّ، في العمق، ثورة اجتماعية صامتة.
غير أن هذه المفارقة الماكرو-اقتصادية تظل مكشوفة أمام مبضع النقد؛ فالأرقام الوردية التي تباهى بها رئيس الحكومة المغادر، من قبيل هبوط التضخم إلى عتبة 0.8%، أو تحقيق معدل نمو استقر عند 4.8%، وحتى الطفرة السياحية المعلنة بـ19.8 مليون سائح، تبدو، في نظر قطاع واسع من المتتبعين، أقرب إلى تجميل إحصائي منفصل عن الواقع، ومحاولة لمداراة خمس سنوات من الإخفاق في حماية القدرة الشرائية للمواطنين من موجات الغلاء غير المسبوقة.
وحين يصر أخنوش، في المقطع، على عبارته المصاغة بعناية: “المواطن لا يحتاج إلى خطابات ليحكم على وضعه”، فإن السحر ينقلب على الساحر بشكل فج؛ إذ إن المواطن، بالفعل، لا يحتاج إلى هذا الفيديو الدعائي الفاخر، المعزول عن معيشه اليومي، كي يدرك حجم التراجع في قدرته الشرائية، بل يحكم انطلاقاً من قفته اليومية وأسعار الأسواق الصادمة.
وفي نهاية المطاف، لا يرتسم هذا البورتريه لعزيز أخنوش بوصفه لوحة إنجاز، بقدر ما يبدو محاولة مستميتة لـ”غسل الإرث السياسي”، وإيجاد مخرج تجميلي يلتف به على مرارة الإزاحة التنظيمية؛ سعياً إلى فرض سردية “مهندس الدولة الاجتماعية” على التاريخ، والتغطية على حقيقة أنه يغادر المشهد برصيد شعبي مثقل بالاحتقان، وبقرار صامت اتُّخذ خلف الأبواب المغلقة، ولم يكن أمامه سوى الانصياع له والتوقيع على كشف الحساب الأخير.







