بتعيين نفيسة القصار رئيسة مديرة عامة لمجموعة “المدى”، يكون الهولدينغ الملكي قد اختار منطق الاستمرارية المؤطرة بالكفاءة، بدل منطق القطيعة أو التغيير الرمزي.
القرار، بحسب مصادر مطلعة تحدثت لـ“نيشان”، لم يأت خارج السياق الداخلي للمجموعة، بل كان نتاج مسار مهني طويل داخل بنيتها التنظيمية، ومعرفة دقيقة بهندستها الاستثمارية، وتراكم تجربة في قلب منظومة القرار الاقتصادي والمالي بالمغرب.
وتؤكد المصادر ذاتها أن القصار ليست وافدة جديدة على “المدى”، ولا على مسار تحولها من “الشركة الوطنية للاستثمار” إلى نموذج صندوق استثماري متعدد القطاعات وذي امتدادات إفريقية. فمنذ التحاقها بالمجموعة سنة 2014 كمديرة تنفيذية، كانت جزءًا من دينامية إعادة الهيكلة الكبرى التي رافقت الانتقال المؤسساتي نحو نموذج استثماري قائم على خلق القيمة طويلة الأمد. اشتغالها المباشر داخل دوائر القرار، ومرافقتها لمسار التحول الذي قاده حسن الورياكلي، جعلاها من الأسماء التي راكمت معرفة تفصيلية ببنية المجموعة، وتوازناتها الداخلية، ومنطق اشتغال فروعها الاستراتيجية.
وبحسب المصادر، تفسر خلفيتها المهنية جزءًا من هذا التموقع. فالقصار خريجة المدرسة الفدرالية المتعددة التقنيات بلوزان (EPFL)، وبدأت مسارها المهني في سويسرا داخل مجموعة “نستله”، قبل أن تعود إلى المغرب في تسعينيات القرن الماضي للالتحاق بـBCM، الذي تحول لاحقًا إلى “التجاري وفا بنك”.
داخل المؤسسة البنكية، شغلت مناصب مفصلية في إدارة المجموعات الكبرى والتمويلات المعقدة، وأسهمت في تأسيس “Attijari Finances Corp” كأول بنك أعمال في المغرب، ثم في إطلاق مديرية التمويلات المهيكلة ونشاط الخدمات المصرفية الخاصة. هذا المسار منحها خبرة تقنية في هندسة العمليات المالية الكبرى وتدبير المشاريع الاستثمارية المركبة، بعيدًا عن منطق التسيير الإداري التقليدي.
وتوضح مصادر “نيشان” أن انتقالها إلى “المدى” شكّل امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار، حيث انتقلت من منطق البنك إلى منطق الاستثمار الاستراتيجي متعدد القطاعات. حضورها داخل مجالس إدارة فروع محورية مثل “مناجم”، و“سوبريام”، و“أوبتورغ”، والخطوط الملكية المغربية، مكّنها من الاطلاع المباشر على تفاعلات القطاعات الحيوية للمجموعة، وعلى تقاطعات الاقتصاد المالي مع الصناعة والطاقة والنقل والتوزيع. هذا الموقع منحها رؤية عرضانية شاملة لبنية الهولدينغ، بدل مقاربة قطاعية مجزأة.
ويأتي توليها قيادة “المدى” في سياق اقتصادي يتسم بتعقّد الرهانات الاستثمارية، حيث تواجه المجموعة ملفات استراتيجية مرتبطة بالانتقال الطاقي، والهيدروجين الأخضر، والمواد المرتبطة بالصناعات التكنولوجية، والأمن الغذائي، والتوسع الإفريقي في بيئة تنافسية متزايدة. وهي رهانات تتطلب إدارة دقيقة للمخاطر، وتوازنًا بين منطق الاستثمار طويل المدى ومتطلبات الاستدامة المالية.
في هذا الإطار، ترى المصادر التي تحدثت لـ“نيشان” أن تعيين القصار يندرج ضمن خيار مؤسساتي يقوم على ضمان الاستقرار الاستراتيجي، مع إعادة تموضع تدريجي في أولويات الاستثمار، بدل إحداث تغيير مفاجئ في التوجهات الكبرى. فالمسألة لا تتعلق فقط بتغيير في القيادة، بل بمرحلة جديدة في تطور الهولدينغ، حيث تنتقل “المدى” من منطق إعادة البناء الهيكلي إلى منطق تعميق المواقع الاستثمارية وتعزيز الحضور في القطاعات المستقبلية.
وعلى الجانب الآخر، تبقى رمزية التعيين حاضرة في المشهد الاقتصادي، لكنها لا تختزل الشخصية في بعدها الرمزي. فما يحدد موقع نفيسة القصار في هذا التحول هو مسارها المهني داخل المؤسسات الكبرى، وتراكمها التقني في مجال المال والاستثمار، ومعرفتها الدقيقة ببنية المجموعة من الداخل. لذلك، تبدو قيادتها لـ“المدى” أقرب إلى نموذج الإدارة المؤسسية القائمة على الاستمرارية المدروسة، وضبط الإيقاع الاستراتيجي، وإدارة التحولات الكبرى دون صدمات تنظيمية.
وبهذا المعنى، تخلص المصادر إلى أن التعيين لا يمثل مجرد تغيير في الأسماء، بل انتقالًا في طبيعة المرحلة نفسها، من مرحلة التأسيس والتحول البنيوي، إلى مرحلة التمكين الاستثماري العميق، حيث تصبح الرهانات مرتبطة بإدارة القيمة، وتدبير المخاطر، وتعزيز مواقع النفوذ الاقتصادي في المغرب وإفريقيا، ضمن سياق دولي سريع التحول.







