عيّنت فرنسا، في 17 فبراير 2026، الدبلوماسية آن-كلير لوجندر مديرةً جديدة لمعهد العالم العربي بباريس، لتصبح أول امرأة تتولى قيادة هذه المؤسسة منذ تأسيسها قبل نحو أربعة عقود. وجاء التعيين خلفاً لجاك لانغ، الذي استقال بعد 13 عاماً من رئاسته للمعهد، في سياق أزمة داخلية وضغوط سياسية وإعلامية.
وبحسب ما أورده موقع “جون أفريك”، فإن لوجندر، البالغة من العمر 46 عاماً، توصف داخل الأوساط الدبلوماسية الفرنسية بأنها “الشخص المناسب في المكان المناسب وفي التوقيت المناسب”، في لحظة دقيقة تشهد تحولات عميقة في العالم العربي وتراجعاً نسبياً في أدوات التأثير الفرنسي بالمنطقة.
من التفاوض الأممي إلى إدارة مؤسسة استراتيجية
تنتمي لوجندر إلى جيل جديد من الدبلوماسيين الفرنسيين. فهي خريجة المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO) حيث درست اللغة العربية، إلى جانب علوم سياسية باريس والسوربون. ووفق “جون أفريك”، بنت مسارها المهني بعيداً عن الأضواء، عبر إدارة ملفات حساسة داخل الأمم المتحدة ووزارة الخارجية الفرنسية.
بين عامي 2010 و2013، عملت ضمن البعثة الدائمة لفرنسا لدى الأمم المتحدة، حيث تابعت في مجلس الأمن ملفات سوريا وليبيا والعراق والنزاع الإسرائيلي–الفلسطيني ولبنان. وشاركت في مناقشات خطة كوفي عنان ومفاوضات جنيف حول سوريا، كما ساهمت في ملفات الأسلحة الكيميائية، ما أكسبها خبرة في إدارة الأزمات متعددة الأطراف.
لاحقاً، التحقت بديوان وزير الخارجية الأسبق لوران فابيوس (2013–2016)، حيث تعمّقت في ملفات شمال أفريقيا والخليج، واشتغلت على التوازنات الحساسة في العلاقات مع الجزائر والمغرب ودول الخليج، بالتنسيق مع دوائر الإليزيه، خاصة مع إيمانويل بون، المستشار الدبلوماسي للرئيس إيمانويل ماكرون.
خبرة في الدبلوماسية الثقافية والتمويل
شغلت لوجندر بين 2016 و2020 منصب القنصل العام لفرنسا في نيويورك، حيث احتكت بعالم المؤسسات الثقافية الكبرى وشبكات المانحين، وتعرّفت على آليات تعبئة التمويل الخاص. وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في ضوء التحديات المالية التي يواجهها معهد العالم العربي، الذي يعتمد بشكل كبير على الدعم الحكومي الفرنسي.
كما تولت لاحقاً منصب سفيرة لفرنسا في الكويت، ثم أصبحت ناطقة باسم وزارة الخارجية، قبل أن تُعيَّن في ديسمبر 2023 مستشارة لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط في الإليزيه. وتشير “جون أفريك” إلى أنها لعبت دوراً محورياً في ملف اعتراف فرنسا بدولة فلسطين في سبتمبر 2025، رغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، كما ساهمت في ملفات الحوار مع طهران، وكانت على دراية وثيقة بملف الصحراء المغربية، بحكم زياراتها المتكررة للمغرب ومتابعتها لتطورات الموقف الفرنسي.
تعيين سياسي في لحظة مفصلية
يرى متابعون، وفق المصدر ذاته، أن تعيين لوجندر يحمل بعداً سياسياً واضحاً، إذ يعكس رغبة الدولة الفرنسية في استعادة زمام المبادرة داخل مؤسسة تُعد أداة نفوذ ثقافي ودبلوماسي تجاه العالم العربي، وليست مجرد فضاء رمزي للحوار الثقافي.
ويقوم معهد العالم العربي على صيغة حكامة مشتركة بين فرنسا وعدد من الدول العربية، حيث يضم مجلس إدارته سبعة ممثلين عن دول عربية (من بينها المغرب، الإمارات، قطر، السعودية، تونس، ليبيا ولبنان) وسبعة ممثلين فرنسيين، إلى جانب شخصيات من القطاع الخاص.
وعلى الرغم من أن مساهمة الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية يفترض أن تمثل 40% من ميزانية المعهد، فإن مساهماتها باتت غير منتظمة، فيما يأتي نحو 60% من الميزانية – أي قرابة 12,5 مليون يورو – من وزارة الخارجية الفرنسية، وفق ما أوردته “جون أفريك”. ويُعد العراق من بين الدول القليلة التي واصلت مساهمتها، بعدما ضخ مليون يورو سنة 2024.
تحديات الإصلاح واستعادة الدور
تنتظر المديرة الجديدة مهمة صعبة تتمثل في إعادة هيكلة المعهد إدارياً ومالياً، وتنويع مصادر تمويله، وإعادة تفعيل “المجلس الأعلى” للمؤسسة ليؤدي دوراً استراتيجياً فعلياً.
كما تواجه لوجندر تحدي إعادة تموقع المعهد في مشهد ثقافي إقليمي تغيّر بفعل الاستثمارات الضخمة التي ضختها دول الخليج في مؤسساتها الثقافية، مثل متحف اللوفر أبوظبي ومشاريع العلا في السعودية. وتشير “جون أفريك” إلى أن دور المعهد تراجع تدريجياً خلال السنوات الماضية، ليصبح هامشياً مقارنة بالدينامية الثقافية الخليجية.
وفي تقرير سابق لمحكمة الحسابات الفرنسية سنة 2024، دعت السلطات الفرنسية والعربية إلى إعادة تعريف المشروع السياسي الذي يقوم عليه المعهد، بما يتلاءم مع الأولويات الجيوسياسية الجديدة.
بين الثقة السياسية والرهان طويل الأمد
قرار لوجندر مغادرة موقع استراتيجي في الإليزيه، قبل عام من نهاية ولاية ماكرون، لتولي إدارة مؤسسة تعيش مرحلة إعادة بناء، يعكس – بحسب “جون أفريك” – اختياراً واعياً بالانخراط في مشروع طويل الأمد يتجاوز الدورة السياسية الحالية.
يبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستتمكن الدبلوماسية الشابة، بثقة الإليزيه وشبكاتها وخبرتها التفاوضية، من إعادة معهد العالم العربي إلى قلب المعادلة الثقافية–الدبلوماسية بين باريس والعواصم العربية؟ الإجابة ستتوقف على مدى توفر الإرادة السياسية والموارد المالية لمواكبة هذا التحول.







