في الوقت الذي لا تكاد تخلو فيه البلاغات الحكومية من الحديث عن تحسن المؤشرات الاقتصادية وتوالي المشاريع الاستثمارية الكبرى، جاء التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2025، الذي قدمه والي البنك عبد اللطيف الجواهري إلى الملك محمد السادس، ليضع الإصبع على مفارقة تبدو الأكثر تعبيرا عن واقع الاقتصاد المغربي اليوم؛ فالأرقام الرسمية تتحدث عن نمو اقتصادي بلغ 4.9 في المائة وتضخم لم يتجاوز 0.8 في المائة، لكن المواطن لا يزال عاجزا عن ملامسة انعكاسات هذه المؤشرات على حياته اليومية.
ولعل أكثر ما استوقف المتتبعين في التقرير السنوي للبنك المركزي ليس حجم الاحتياطات من العملة الصعبة التي بلغت 443 مليار درهم، ولا تراجع عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وإنما إقرار الجواهري بوجود “فجوة بين الأداء الاقتصادي المقاس وفق منهجية علمية وانطباع المواطنين”، معتبرا أن هذه الظاهرة تعزى في الحالة المغربية، أساسا، إلى كون التشغيل لم يعرف بعد التحسن المنتظر واستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ويأتي هذا التشخيص في سياق سياسي خاص، إذ لم يتبق سوى أشهر معدودة على نهاية الولاية الحكومية التي قادها حزب التجمع الوطني للأحرار منذ سنة 2021، والتي رفعت خلال حملتها الانتخابية شعار “تستاهل أحسن”، وتعهدت بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال عشر سنوات، إلى جانب تعزيز الطبقة المتوسطة وتكريس أسس الدولة الاجتماعية.
غير أن تقرير بنك المغرب يقدم صورة أكثر تعقيدا من تلك التي تعكسها لغة الأرقام المجردة. فرغم انتعاش النمو الاقتصادي خلال سنة 2025، بلغ معدل البطالة 13 في المائة، في وقت أكد فيه الجواهري أن عدد مناصب الشغل المحدثة لم يكن كافيا لإحداث انخفاض ملموس في هذا المعدل، وهو ما يعيد إلى الواجهة السؤال حول قدرة النمو الاقتصادي المسجل على إنتاج فرص الشغل الكافية، ومدى نجاعة الاستثمارات الضخمة التي راهنت عليها الحكومة في تحقيق أثر اجتماعي مباشر.
ولم يقف التقرير عند حدود التشغيل، بل أعاد التذكير بما ورد في خطاب العرش لسنة 2025، حين أكد الملك محمد السادس أنه “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”، في إشارة إلى استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، رغم الموارد المالية المهمة التي جرى تخصيصها لورش الدعم الاجتماعي. وفي هذا السياق، دعا والي بنك المغرب إلى اعتماد استهداف أكثر دقة للفئات الأكثر هشاشة، بما يضمن ترشيد الموارد المالية وتعزيز فعالية السياسات الاجتماعية.
وإذا كانت الحكومة تعتبر أن تنزيل ورش الحماية الاجتماعية يمثل أحد أبرز منجزاتها خلال السنوات الأخيرة، فإن تقرير المؤسسة المالية الأكثر استقلالية في البلاد يبدو وكأنه يدعو، بشكل غير مباشر، إلى إعادة تقييم مدى قدرة هذه البرامج على تقليص الشعور المتنامي لدى فئات واسعة من المواطنين بعدم استفادتهم من التحسن الذي تعكسه المؤشرات الاقتصادية الكلية.
ولم يفت الجواهري التنبيه إلى أن استمرار هذا التباين بين المؤشرات الاقتصادية وانطباع المواطنين يقتضي، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الهيكلية، تأهيل منظومة التعليم والتكوين، وتحسين مردودية الاستثمار، ومنح القطاع الخاص دورا أكبر لضمان استدامته، فضلا عن تسريع عدد من الأوراش المؤجلة، من قبيل إصلاح أنظمة التقاعد والقانون التنظيمي لقانون المالية، وإحداث مخزون استراتيجي للمواد الأساسية وفق التوجيهات الملكية الصادرة منذ سنة 2021، إلى جانب تسريع الانتقال الطاقي وتعزيز حكامة الموارد المائية.
وتقرأ مصادر مطلعة تحدثت لـ “نيشان”، مضامين التقرير باعتبارها تتجاوز مجرد تقديم حصيلة اقتصادية لسنة مالية، لتشكل في جانب منها تقييما غير مباشر لمدى نجاح السياسات العمومية في تحويل النمو الاقتصادي إلى مكاسب اجتماعية ملموسة. فالإشكال، بحسب هذه المصادر، لم يعد يتعلق بحجم النمو الاقتصادي في حد ذاته، وإنما بقدرته على خلق مناصب شغل مستدامة وتقليص الفوارق الاجتماعية وتمكين المواطنين من الإحساس بثمار هذا النمو.
ولعل المفارقة التي يلخصها تقرير بنك المغرب تكمن في أن المغرب يسجل، في الآن ذاته، نموا اقتصاديا متواصلا وتضخما منخفضا واحتياطات مهمة من العملة الصعبة، بينما يستمر الإحساس الشعبي بارتفاع كلفة المعيشة واتساع الهوة الاجتماعية وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب.
وبين لغة الأرقام التي تتحدث عن تحسن المؤشرات الاقتصادية، ولغة الواقع التي تعكسها استطلاعات الرأي والنقاش العمومي اليومي، يبدو أن الجملة الأكثر دلالة في تقرير الجواهري هي تلك التي اختزل فيها جوهر الإشكال حين تحدث عن “الفجوة بين الأداء الاقتصادي وانطباع المواطنين”. وهي فجوة لا تضع الحكومة الحالية وحدها أمام أسئلة صعبة بشأن حصيلتها الاجتماعية والاقتصادية، بل تعيد طرح سؤال قديم ومتجدد حول النموذج التنموي الذي يريده المغرب؛ هل يكفي أن ينمو الاقتصاد إذا كان المواطن لا يشعر بذلك؟.







