بينما كنت أبحث عن بعض المراجع بمكتبتي المتواضعة، وقع بين يدي كتاب “الإنسان.. ذلك المجهول” لألكسيس كاريل(1873-1944)” ، ورغم انه سبق لي قراءته قبل أكثر من عقدين من الزمن، إلا أنه استوقفتني بعض فقراته؛ “..الإنسان كائن مجهول..فهو يناضل من اجل بقائه بعقله أكثر مما يناضل بجسمه ” ..و “يجب أن يعيد الإنسان صياغة نفسه حتى يستطيع التقدم ثانية..ولكنه لا يستطيع صياغة نفسه دون أن يتعذب.. لأنه الرخام والنحات في وقت واحد !؟. ورغم أن الكتاب صدر في ثلاثينات القرن الماضي(1935) إلا أن الأسئلة التي يطرحها لازالت ذات راهنية، سيما أن مؤلفه حاصل على جائزة نوبل في الطب الذي عرف طفرات كبرى في الوقت الحاضر، وبما أن العلوم تخضع في تطورها لقاعدة التراكم والسيرورة، فقد لعبت التكنولوجية الحديثة والاكتشافات العلمية المتطورة دورا أساسيا وفاعلا في تطوير حياة الإنسان وتخفيف الصعوبات التي يواجهها، ولا سيما في المجال الصحي، من خلال ابتداع أساليب جديدة ومتطورة للعلاج، واستخدام التقنية الحيوية المعاصرة للقضاء نهائيا على الأمراض المستعصية وتجديد الحياة.وقد أثارت الانجازات العلمية والاختراعات الطبية التي اكتسحت مجال العلوم الحيوية جدلا واسعا في صفوف العلماء والباحثين والبيولوجيين بشان مشروعية استخدام هذه التقنيات وتداعياتها الأخلاقية والمجتمعية.ومن ثم اتسع مجال البحث في سبل توظيف هذه الاكتشافات العلمية لخدمة الإنسان، من خلال فرض ضوابط أخلاقية ومجتمعية للحد من تأثيراتها السلبية في حياته النفسية والبيولوجية، ودراسة سبل ترشيد التعامل معها ، حتى تكون قادرة على التكامل مع ثورة العلوم المعاصرة من اجل كسب رهان المستقبل، حيث برز ما يعرف بعلم الوراثة اللاجينية(علم التخلق)، بعدما كان التوصل لمعرفة جنس الجنين في الشهور الأولى من الحمل إنجازا رائعا في مجال الطب. هذا المشروع( أو الجينوم) له جذور عميقة في علم الوراثة، ولكن في سنة 1990 بدأ العلماء بنقل جزئيات الحمض النووي من كائن حي إلى كائن آخر، مما مكنهم من وضع أساس لصناعة التكنولوجيا الحديثة الحيوية(البيوتكنولوجيا)، التي أدت تدريجيا إلى تطوير كائنات معدلة وراثيا (المتحولات الجينية – OMG ) بين النباتات ، وبعض أنواع الحيوانات مثل السلمون (Saumon)، بهدف تحسين خصائصها ومزاياها للإنتاج والتسويق والاستهلاك البشري. فالأبحاث العلمية لا تتوقف عن تقديم كشوفات واعدة، لا سيما في مجال علم الأحياء ، ومع ذلك فلطالما اعتقدنا ولفترة طويلة أن مصيرنا مكتوب في جيناتنا. لكننا في الواقع أكثر بكثير من ذلك، فنوعية حياتنا، والتغذية، والتعرض للتبغ، والتوتر، والمبيدات الحشرية… كل هذه العوامل قادرة على التأثير في طريقة عمل الخلايا التي تتكون منها أجسادنا، بل وحتى على مدى أجيال عدة. وهذا المجال البحثي المعقد يسمى علم فوق الجينات. (Épi génétique) ). تبنى هذا المفهوم في عام 1942 عالم الوراثة الإنجليزي” كونراد وادينغتون”، وهو يدرس دور الجينات في النمو والتطور. كيف يحدث الانتقال من النمط الجيني (مجموع الجينات génotype ) وهو الشفرة الوراثية الكاملة ويوجد داخل نواة الخلية، إلى النمط الظاهري (مجموع صفات الفرد المتفاعلة مع البيئة (phénotype؟ في ذلك الوقت، كان يُجهل أن الحمض النووي (ADN) هو دعامة الوراثة (قائد الأوركسترا للجينوم. ولكن الروابط بين النمط الجيني والنمط الظاهري تتضح شيئاً فشيئاً، مع اكتشاف بنية الجينات وطريقة تنظيمها.
بلغ علم فوق الجينات ذروته في حدود عام 2000 عندما لوحظ أن البيئة يمكن أن تعدل نشاط بعض جيناتنا لتغيير صفاتنا، بل وقد تؤدي إلى الإصابة ببعض الأمراض التي يمكن أن تنتقل إلى الذرية( Progéniture). ونحن نتحدث هنا عن “التخلق المتوالي” (épigenèse)، حيث تعني السابقة (-épi) “فوق”، وتعني كلمة (genèse) “نشأة” أو “جيل. وتنظم (الكروموسومات) في “نطاقات” يمكن في داخلها تنظيم الجينات بطريقة منسقة، وتضاف إليها علامات فوق جينية.
تأكد الدور الغامض لعلم فوق الجينات في أوائل عام 2018 خلال دراسة أجريت على مجموعة من النساء الحوامل اللواتي عشن المجاعة التي ضربت هولندا (1944-1945 ) ووُجد أن أطفال هؤلاء النسوة وكذلك أحفادهن، واللواتي عانين من سوء التغذية، أصيبوا بارتفاع ضغط الدم، والسكري من النوع الثاني، والسمنة بمعدل أعلى من المتوسط. كيف أمكن لهذه الاضطرابات أن تنتقل من جيل إلى آخر رغم اختفاء الجوع.. !؟ قد يعود ذلك إلى انتقال فوق جيني: فسوء التغذية لدى الأمهات قد يكون غيّر التعبير عن بعض الجينات لدى أجنتهن، وانتقلت هذه التعديلات إلى الجيل التالي. ويتعلّق الأمر بالمثيلة (Méthylation) – وهي إحدى الآليات فوق الجينية التي تنظم الجينوم – لعدة جينات متدخلة في عملية التمثيل الغذائي (الأيض)، وهكذا، يمكننا القول إن ظروف الحياة تؤثر على طريقة عمل جيناتنا وعلى ظهور الأمراض. إنه تأثير المكتسب على الفطري، وهو ما يمثل تحدياً للطب الحديث. ورغم أن العمليات التي يؤدي من خلالها التعرض البيئي إلى اختلال في الإبيجينوم (فوق الجينوم) لم تُفهم بعد بشكل كامل، إلا أنه من المعروف أن هناك عوامل عديدة تؤثر سلباً أو إيجاباً على الجينات (كالغذاء، والتوتر… ). ومن المحتمل أن تكون التغييرات الوراثية اللاجينية موروثة. فلقد أجريت دراسة على أطفال ببريستول (انجلترى) وباعتماد معيار اختلاف في النمو اعتمادا على احتمال كون أجدادهم كانوا مدخنين قبل سن إحدى عشرة سنة(11) .. تفاعلت أجسامهم دفاعيا فتكيفت في الأجل القصير من خلال تغيير جينات الأجيال القليلة اللاحقة أو إلى زوال “الخطر” ويطلق عليه “الوراثة الناعمة”. ومن حسن الحظ أن التغييرات اللاجينية قد تكون معكوسة…ففي أمريكا تم تطوير أربع عقاقير لعلاج اللوكيميا الناتجة عن تغييرات وراثية لا جينية، وتعمل العقاقير هذه على إعادة تشغيل الجينات الواقية الطبيعية.
وعلى هذا الأساس، يمكن تشبيه الجينوم البشري بالجزء الصلب(عتاد الحاسوب “hardware”) فالجينات تشبه المعلومات المشفرة التي تحدد السمات العامة للشخص، ومظهره الجسدي، وخصوصياته. أما الإبيجينوم، فهو بمثابة النظام البرمجي “software”، تلك المجموعة من البرامج التي تتحكم في العمليات وتستطيع تعديل التعبير الجيني – كجعل الجينات نشطة أو على العكس صامتة – دون تغيير في تسلسل الحمض النووي(ADN). والآليات فوق الجينية لا غنى عنها، في التطور الجنيني فعلى سبيل المثال، تعين على تفسير لماذا يمكن للتوائم الحقيقية (المتطابقة)، والتي تشترك في إرث جيني متماثل تماماً، أن تظهر عليها مع مرور الوقت اختلافات شكلية أو قابلية متفاوتة للإصابة المرتبطة بالعمر ويمكن أن تتغير العلامات اللاجينية بينهما وبالتالي يصبح تأثيرها على معدل الشيخوخة. وهذا يعني أن التجارب الفردية والبيئات الشخصية تساهم في تعديل النشاط اللاجيني طوال الحياة. وهي تتيح علاوة على ذلك توضيح الأسباب التي تجعل بعض أفراد النحل، الذي يمتلك كله نفس الحمض النووي عند الولادة، يتحول إلى ملكات والبعض الآخر إلى عاملات أو ذكور، حيث يتم إطعام اليرقات (الملكات المستقبلية) فقط بالغذاء الملكي (Gelée Royale). وللإشارة فإن طوائف النحل تمتلك 32 كروموسوماً في الخلايا الجسدية للإناث(2n) وهن الأكثر عددا وتقع عليهن معظم أعباء الطائفة(أو الخلية) ، بينما تمتلك الذكور 16 كروموسوماً (n)تنتج ذكور النحل من بويضات غير ملقحة، مما يعني أن الذكر يحمل نصف المادة الوراثية لأمه (الملكة) فقط، ولا يرث أي جينات من أبيه.
من ناحية أخرى، يحظى دور علم فوق الجينات بدراسة واسعة في ظهور الأمراض التنكسية العصبية(neurodégénératives) مثل مرضي ألزهايمر وباركنسون أو الأمراض الاستقلابية (الأيضية métaboliques) ) مثل السكري من النوع الثاني والسمنة، وكذلك في حدوث الاضطرابات النفسية كالاكتئاب واضطرابات الشخصية. «إن الفهم الأفضل لآليات ظهور هذه الأمراض عبر عوامل فوق جينية قد يسهم بلا شك في تقديم مقاربات تشخيصية مختلفة، وربما في تطوير علاجات جديدة»، عما يُعرف بالعقاقير فوق الجينية (épi drogues) أو الأدوية فوق الجينية ((épimédicaments ويجري الآن في مختبرات الولايات المتحدة الأمريكية تطوير أكثر من أربعين(40) عقارا بخصوص علاج البدانة والزهايمر..
إن وجود مثل هذه الآليات الوراثية يمكن أن يفسر سبب استمرار العديد من الأمراض الناتجة عن تجارب الحياة، بما في ذلك الأمراض النفسية، وتوارثها في بعض العائلات. وهو ما لم تتمكن الوراثة الكلاسيكية من توضيحه حتى الآن. ولكن لنتأمل قوله تعالى: “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق”( فُصِّلت، الآية 53) ، تدل على عظمة الخالق في تكوين الإنسان نفسه، من بديع الصنع، ودقة الأجهزة، وتعقيد النفس البشرية… فمع بزوغ فجر الأبحاث الجديدة يحمل دائماً الأمل في توضيح بعض الظواهر التي تصب في مصلحة البشرية، من قبيل 1) مكافحة الشيخوخة و2) استخدام خلايا جدعية لإنتاج أنسجة بديلة تعوض الأعضاء التالفة كالقلب والرئة …..و 3)وتطوير اللقاحات لمكافحة الأوبئة والأمراض بالاعتماد على تقنيات الحمض النووي الريبوزي ( RNA) المرسل بفعالية عالية، وكذا 4) علاج الخصوبة… إلا أن هذا الرهان لا يخلو من مخاطر قد تعود بنتائج سلبية كالعلاج الجيني واحتمالية الإصابة بأعراض جانبية خطيرة كسرطان الدم (اللوكيميا) أو الفشل في دمج الجينات، والآثار الجانبية للتعديل قد تؤدي زراعة جينات الذكاء إلى الشلل، وتسبب جينات تضخيم العضلات السكتات الدماغية ونمو الأورام و الكوارث البيئية والأوبئة المرتبطة بمخاوف من تسرب جراثيم معدلة وراثياً من المختبرات لتتحول إلى ميكروبات مميتة…..
لذا تعتبر المقاربة الأخلاقية والقانونية هي الضامنة لكرامة الإنسان؛ فالمنظور الديني والفقهي(مجمع الفقه الإسلامي) في شأن الهندسة الوراثية، حيث يُجيز التدخل الجيني لغايات نبيلة كالعلاج وإزالة التشوهات، لكنه يُحرّم الاستنساخ البشري الكامل والعبث بالخلق وضياع الأنساب و العنصرية العلمية المتمثلة في مخاوف مجتمعية من تحويل الإنسان إلى مادة مسيطر عليها وسلب حريته واستقلاليته. كما أن المعاهدات الدولية تضمن الحماية القانونية مثل “الإعلان العالمي بشأن الجينوم البشري وحقوق الإنسان” ( اليونسكو1997) التي تضمن حماية الكرامة الإنسانية ومنع أي تعديل أو تلاعب في الشفرة الوراثية، وتوصيات الأمم المتحدة (2004) لحظر استنساخ البشر وحماية الخصوصية الجينية ومنع التمييز.
وفي المحصلة، لا شك أن العقل البشري لا يتوانى في تسخير كل ما أتيح له في الطبيعة لخدمة الإنسانية؛ فتطور ومواكبة أحدث الابتكارات التكنولوجية أثبتت أن الإنسان لم يعد تحت رحمة العلامات اللاجينية، بل إن العادات الصحية ( نظام غذائي متوازن وممارسة الرياضة بانتظام وإدارة الإجهاد..)تلعب دورا رئيسيا في الخلاص من المخاطر الصحية والوبائية التي تهدد البشرية التي تعاني من ضعف المقاومة الجسدية والنفسية… لذا ينصح الأطباء وعلماء التغذية باتباع نمط حياة يعتمد على تناول الخضراوات الفواكه والتقليل من العصائر والمشروبات الغازية والتوقف عن التدخين واستهلاك الكحول… نظام كفيل بتحديد مصيرنا البيولوجي، بمعنى يجب إخضاع المجتمع للقوانين البيولوجية الطبيعية؛ لأن معرفة آليات وميكانزمات التأقلم هي التي ستسمح بإعادة بناء الإنسان وتقويم حياته.







