لم يكن تعيين محمد وهبي مدربا وطنياً للمنتخب المغربي الأول، خلفاً لوليد الركراكي، مجرد “تغيير في الأسماء” أو تبديل في “قطع الغيار” التقنية.. في ردهات جامعة الكرة بسلا، كان ثمة إيمان بأن المرحلة تقتضي “مهندساً” يعرف كيف يبني من العمق، هادئاً لا تستفزه الأضواء، وصارماً لا تأخذه في “التكتيك” لومة لائم. لكن ما لم يتوقعه أحد، هو أن يكون هذا الرجل “فأل خير” مطلق، إلى درجة أن الكأس الإفريقية التي استعصت على الميدان، بسبب الظروف التي يعرفها الجميع، طرقت أبواب الرباط طائعةً بعد أيام قليلة من توليه المهمة.
من بروكسل إلى الرباط.. عقيدة التكوين
مسار محمد وهبي ليس قصة “نجم” صنعته الملاعب كلاعب، بل هو قصة “عقل” صقلته الأكاديميات. في أندرلخت البلجيكي، قضى وهبي سنواته وهو يفكك شفرات الموهبة الخام، يحول الفتيان إلى محترفين بمواصفات عالمية. هناك، في “مختبر” الكرة الأوروبية، تعلم وهبي أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفوارق الكبرى.
حين عاد إلى المغرب ليقود “الأشبال”، لم يأتِ ليعطي دروساً في الكلام، بل تعليمات صارمة في “المنهجية”. توج بلقب بطولة شمال إفريقيا، وقاد الشباب إلى نهائي “الكان” لأقل من 20 سنة، بل وذهب أبعد من ذلك حين قاد جيل تشيلي 2025 إلى منصة تتويج عالمية تاريخية.
هذا المسار لم يكن صدفة، بل كان “بروفا” في كيفية إدارة الضغوط الكبرى.
“فأل الخير” والعدالة المتأخرة
يقولون إن لبعض الوجوه “بركة” تسبق خطاها.. مع محمد وهبي، تجسدت هذه المقولة في واقعة هزت القارة السمراء. فبينما كان وهبي يضع اللمسات الأولى على قائمته لمواجهة الإكوادور وأوروغواي في مارس 2026، أصدرت لجنة الاستئناف بـ “الكاف” قرارها التاريخي بتجريد المنتخب السنغالي من لقب كأس أفريقيا 2025 ومنحه للمنتخب الوطني.
القرار الذي جاء بناء على المادة 84، بعد “انسحاب” لاعبي السنغال في نهائي الرباط الشهير احتجاجاً على ضربة جزاء لبراهيم دياز، أعاد الحق لأصحابه. ورغم أن وهبي لم يقد تلك المباراة، إلا أن التاريخ سيسجل أن “عهد وهبي” استُهل بتتويج قاري طال انتظاره لقرابة نصف قرن. وكأن القدر أراد أن يقول للمغاربة: “هذا الرجل جاء والخير بين يديه”.
بروفايل “البارد” في زمن الغليان
يتميز وهبي بهدوء قد يراه البعض “برودا”، لكنه في الحقيقة “سكينة” المهندس الذي يثق في حساباته. هو لا يميل للصدام مع الصحافة، ولا يبيع الأوهام في الندوات. فلسفته واضحة: “الهوية الكروية قبل النتيجة”. في قائمته الأولى، لم يتردد في استبعاد أسماء رنانة لمجرد أنها لا تخدم منظومته، فاتحاً الباب لجيل “الموندياليتو” الذي صنع معه المجد في تشيلي.
الرهان القادم: مونديال 2026
اليوم، يدخل محمد وهبي مرحلة “الأسود” وهو محصن بشرعية النتائج مع الشبان وبـ “فأل” اللقب الإفريقي المسترد. الرهان ليس سهلاً؛ فالمغاربة الذين ذاقوا حلاوة “نصف نهائي المونديال” لن يرضوا بأقل من الزحف نحو الكأس العالمية في أمريكا وكندا والمكسيك.
فهل ينجح “المهندس” في تحويل “فأل الخير” إلى واقع ملموس فوق المستطيل الأخضر؟ وهل ستكون “العدالة الكافية” التي أنصفت المغرب إدارياً هي الوقود الذي سيحرق به وهبي خصومه تكتيكياً؟ الأيام القادمة وحدها ستجيب، لكن الأكيد أن محمد وهبي بدأ رحلته بوصفه مدرب “محظوظا” و”مجتهدا” في آن واحد.







