قد تعود المحاكم إلى عملها خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، وقد يصدر قرار المحكمة الدستورية بما يُرضي هذا الطرف أو يُغضب ذاك، لكن ذلك لن يعني بالضرورة أن الأزمة انتهت. فالمشكل الحقيقي لا يسكن في مواد مشروع قانون المحاماة، بل في مكان آخر؛ في الطريقة التي أصبحنا نصنع بها الإصلاحات الكبرى. نختلف أولاً، ثم نحتج، ثم نتفاوض، ثم نبحث عن مخرج للأزمة، وكأن الأزمات أصبحت جزءًا من هندسة الإصلاح نفسها.
يدخل شلل المحاكم المغربية أسبوعه السادس، فيما يترقب الجميع كلمة المحكمة الدستورية باعتبارها المخرج الأقرب لإنهاء الأزمة. غير أن إنهاء الأزمة شيء، وحلها شيء آخر. فكم من أزمة انتهت لتعود إلينا بأسماء وعناوين جديدة لأن أسبابها الحقيقية ظلت على حالها.
لقد وضع هذا الشلل الجميع أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها؛ وهي أن طريقة إنتاج الإصلاح نفسها بلغت حدودها. فحين يتعلق الأمر بمهن دستورية أو مؤسسات ترتبط بحقوق المتقاضين وبحسن سير العدالة، لا يعود منطق الأغلبية العددية كافيًا لإنتاج الإصلاح، كما لا يكفي التشاور الشكلي لضمان قبوله مجتمعيا ومؤسساتيًا.
لهذا يبدو اختزال ما يجري اليوم في كونه خلافًا بين وزير العدل “عبداللطيف وهبي” والمحامين تبسيطا مُخلاً بالواقع. فما يقع داخل المحاكم اليوم يكشف، مرة أخرى، عن أحد أعطاب الدولة المغربية في تدبير الإصلاحات الحساسة. ذلك أننا ما نزال نؤجل الحوار إلى ما بعد اندلاع الأزمات بدل أن نجعله مدخلاً لمنع وقوعها، ونعتبر التشاور محطة تسبق التصويت على مشاريع القوانين لا جزءا من هندسة الإصلاح.
والحال أن الحوار الذي يبدأ بعد شلل المحاكم ليس سوى اعتراف متأخر بأن الحوار كان ينبغي أن يبدأ قبل صياغة النص القانوني. فتكلفة التوافق قبل الأزمة تظل دائمًا أقل من تكلفة تدبيرها بعد وقوعها، ليس سياسيًا فحسب، بل مؤسساتيًا واجتماعيا أيضا.
ولعل أخطر ما تكشفه أزمة قانون المحاماة هو أنها وضعتنا أمام أزمة ثقة حقيقية بين الدولة وبعض المهن المنظمة. فالدولة تتحدث عن الشفافية والرقابة، والمحامون يتحدثون عن الاستقلالية ورفض الوصاية، وبين المفهومين تضيع المسافة الضرورية التي تجعل منهما مبدأين متكاملين لا متصارعين.
فالشفافية لا تعني بالضرورة توسيع دائرة الوصاية، كما أن استقلالية المهن المنظمة لا يمكن أن تتحول إلى حصانة ضد كل أشكال الرقابة المؤسساتية. إن التحدي الحقيقي للدولة الحديثة ليس في الاختيار بين الاستقلالية والرقابة، وإنما في قدرتها على الجمع بينهما داخل معادلة متوازنة تحفظ للمؤسسات استقلالها وتضمن للمواطن حقه في الشفافية والمحاسبة.
ومن هنا، فإن التعويل المطلق على قرار المحكمة الدستورية يبدو أقرب إلى البحث عن حل قانوني لأزمة ذات أبعاد سياسية ومؤسساتية. فحتى لو حسمت المحكمة في المواد المختلف بشأنها، وحتى لو عاد المحامون إلى محاكمهم غدا، فإن السؤال سيظل قائما : هل تغير شيء في طريقة إنتاج الإصلاح نفسه؟
إن أول ما تحتاجه البلاد اليوم هو الانتقال من منطق التشاور الشكلي إلى منطق التشريع التشاركي الحقيقي في كل الإصلاحات الحساسة، بما يجعل الفاعلين المعنيين شركاء في صناعة النصوص لا مجرد أطراف تتلقى نتائجها. فالتوافق ليس تنازلاً سياسيا تلجأ إليه الحكومات عند اشتداد الأزمات، بل أحد شروط نجاح الإصلاح واستمراره.
أما الأمر الثاني، فيتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمهن المنظمة. فالخوف من الوصاية لا ينبغي أن يتحول إلى رفض لكل آليات الرقابة، كما أن مطلب الشفافية لا يبرر إنتاج نصوص يشعر أصحابها بأنهم موضوعها لا شركاؤها في صياغتها. وقد تجاوزت الدول الحديثة هذا التعارض المصطنع بين الاستقلالية والرقابة حين جعلت من الحكامة والرقمنة آلية لحماية الطرفين معا؛ الدولة من سوء التدبير، والمهنيين من التدخل المباشر وغير المبرر في شؤونهم.
ربما تنتهي هذه الأزمة خلال أيام، لكن السؤال الذي سيبقى معلقا، هو هل سنتعامل معها باعتبارها خلافا عابرا حول مشروع قانون، أم باعتبارها فرصة لمراجعة الطريقة التي أصبحنا نُصلح بها مؤسساتنا؟ فالدول لا تُقاس بعدد الإصلاحات التي تُنتجها، وإنما بقدرتها على إنتاج الثقة حولها. أما الإصلاح الذي يولد من رحم الأزمات المتكررة، فربما يُغير النصوص، لكنه يعجز غالباً عن تغيير الواقع.
ولذلك، فالسؤال الذي تطرحه المحاكم المشلولة اليوم لا يتعلق بالمحامين ولا بوزارة العدل وحدهما، بل يتعلق بنا جميعا.. مَن يُصلح طريقة الإصلاح؟







