كثيرا ما يربط الأشخاص، وحتى الدول، التغيير أو بدايته بانقضاء عام ودخول عام جديد. بفكر سطحي وسفيه، يتم اعتبار “راس العام” صفرا جديدا يمحي كل الخيبات، ومعه تبتدأ كل الإنجازات!!!
لكن واقع الأفراد، الجماعات، الشعوب والأمم يُخبرنا أن التغيير مرتبط بالجغرافيا لا بالتاريخ، بالإنسان والعقليات لا بالأرقام والسجلات.
منطق حقيقي إذن يسائلنا عن مدى الظن والاعتقاد بأن “رأس العام” هذا سيجذب تغييرات جذرية وحقيقية في حياة المواطن والدولة المغربيين.
وبما أن أغلبيتنا الساحقة مُلزمة بجغرافيا محددة مساحتها قرابة 711 ألف كيلومتر مربع، وبما أن لا دليل ولا برهان على تغير عقليات من يمسكون الحكم والإدارة؛ يحق لنا طرح سؤال عن جدوى الأمل في التغيير مع دخول عام (رقم) جديد؟!
هل يا ترى، سيتغير حال صحتنا للأحسن، ونحن نرى إصرار الماسكين بزمام الأمور على خصخصتها ناعما بداعي “الجهوية”، إخراج الموظفين من إطارهم العام لقانون خاص، وربط تمويل الوحدات الصحة الترابية بميزانية الجهة، لا بموارد الدولة؟
هل يتجه تعليمنا للأحسن مع مدرسة رائدة تُنتج مواطنا يملك من الذكاء ما يشغل به آلات المليارديرات، ومن الغباء ما يصبر به ويتحمل جحيم حياة فرضه نفس المليارديرات بربطات عنق وبدلات السياسة؟
هل نتنفس صعيد حرية ومسؤولية التعبير مع الإصرار على قانون صحافة يغلب المال على الكلمة، والشكارة على الضمير؟!!
أين بوادر التغيير وفاعلية المواطن فردا وجمعيات في منع عبد اللطيف وهبي لهم من الإبلاغ عن لصوص المال العام في مسطرته الجنائية؟!!
كيف نتغلب على مشاق الحياة ونحن نسمع خطبة جمعة يتم تسريبها قبل بثها موحدة، لا تراعي هموم الناس الحقيقية ولا مطالبهم الملحة، مركزة على كل ما هو سطحي، محولة حياة “المؤمن” لمجموعة واجبات والتزامات في اتجاه واحد أمام من يحكمه ومن يدبر أمره؟!!
أين بشائر العام الجديد في ثقافة مُغيبة وفن مُسفه وإعلام رسمي وخاص يوجِّه لا يُوَعي، يُخدر لا يُنبه، يراكم “الماكياج” فوق أجود أنواع “الحلزونة” بدل التشريح الفاعل واقتراح الحلول الواقعية؟!!
أي تغيير إيجابي نطمح له ونحن نرى القيم في تناقص وانقراض مقابل ازدهار الغش والأنانية، الانتهازية والفردية، الجشع وفلسفة “راسي يا راسي”؟!!
يقول المختصون أن من أهم عوامل فشل المخططات، عند الأفراد كما لدى الدول والشعوب، الخلط بين الأمنيات والأهداف. كما يخبرنا العالم الفد “ألبيرت أينشتاين” عن تعريف الغباء كونه نهج نفس السُّبل وانتظار نتائج مختلفة.
في حالتتا، كما في حال عديد دول مشابهة ومجاورة، نخدر أنفسنا بما نتمنى وننسى ما يجب أن نفعل فعلا وحقا. نتفنن في سلك أسوء الخطط والمناهج، ونتعحب لعدم الوصول لأعظم الأهداف وأقوى النتائج.
وكما أن لعلوم الطبيعة قوانين راسخة لا يمكن تجاوزها، كذلك يوجد لحركات الإنسان وسعيه قواعد وسُبلا لا مناص عنها. ومن يغفل عن سُنن الله، فإن سُنن الله لن تغفل عنه.
نتمناو خير… وللقصة دائما بقية.
راس العام







