قدّم أحمد العمومري، الأمين العام للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، عرضاً أمام أعضاء مجلس المستشارين حول الميزانية الفرعية للهيئة، تضمن تشخيصاً معمّقاً لوضعية مكافحة الفساد بالمغرب، وتقييماً لمردودية الجهود المبذولة، ورؤية استراتيجية للمرحلة المقبلة.
ذكّر العمومري بأن الهيئة، باعتبارها مؤسسة دستورية، تضطلع بمهمة تنسيق وتتبع سياسات النزاهة ومحاربة الفساد، ونشر المعرفة في هذا المجال. وقد عزز القانون رقم 46.19 مكانة الهيئة كفاعل محوري ضمن المنظومة الوطنية للنزاهة، بعدما صادق عليه البرلمان بالإجماع سنة 2021.
وأكد أن مكافحة الفساد مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، في انسجام مع الرؤية الملكية التي شددت على أن محاربة الفساد هي قضية جماعية تتطلب تجريم الممارسات الفاسدة والضرب بقوة على أيدي المتورطين، إلى جانب ترسيخ قيم النزاهة في سلوك الأفراد والمؤسسات.
ورغم تراكم المبادرات والإصلاحات منذ مطلع الألفية، شدد العمومري على أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من “تعداد الجهود” إلى “قياس الأثر الفعلي على حياة المواطن”. ففعالية السياسات العمومية لا تُقاس بعدد النصوص القانونية، وإنما بقدرتها على تحسين جودة الخدمات العمومية ورفع منسوب الثقة.
وتؤكد تقارير الهيئة، إضافة إلى تقارير وطنية ودولية، أن هذا الأثر الملموس ما يزال دون مستوى تطلعات المواطنين، ما يعيد طرح السؤال حول نجاعة السياسات الحالية.
في هذا السياق اعتبر العمومري أن إحدى أبرز التحديات تتمثل في الفجوة بين الإطار القانوني والواقع العملي. فسنّ القوانين أو رصد الميزانيات لا يكفيان، ما لم تُحدث السياسات تأثيراً على السلوكيات اليومية وتساهم في تقليص “الكلفة الخفية للفساد” التي يتحملها المجتمع.
وتواكب الهيئة هذه الدينامية من خلال تقارير سنوية ودراسات موضوعاتية تناولت قضايا محورية مثل تضارب المصالح، والإثراء غير المشروع، والتصريح بالممتلكات،وحماية المبلغين، ومراجعة قانون المسطرة الجنائية.
كما قامت الهيئة بتقييم الاستراتيجية الوطنية 2015–2025، التي حققت تقدماً لافتاً، لكنه لم يبلغ مستوى الطموحات بسبب محدودية الانخراط الجماعي.
أوضح العمومري أن الهيئة تعمل على تطوير استراتيجية جديدة تمتد لخمس سنوات، تقوم على الدمج بين الوقاية والتوعية والمساهمة العملية في مكافحة الفساد، مع تفعيل جهاز المأمورين وتعزيز التعاون مع أجهزة إنفاذ القانون، لضمان متابعة دقيقة للتحريات والتحقيقات.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى بناء منظومة وطنية متكاملة، يشارك فيها الفاعلون المؤسساتيون والاقتصاديون والمجتمع المدني والإعلام والمواطنون، بما يسمح بإحداث نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.







