في الوقت الذي تبنّى فيه جزء واسع من المكوّن الرسمي والإعلامي المغربي خطابًا متفائلًا وصل أحيانًا حدّ التضخيم بشأن مستقبل اكتشافات الغاز، تكشف معطيات قارية منشورة حديثًا عن صورة مغايرة تمامًا لما جرى تقديمه خلال السنوات الأخيرة.
تقرير «Gas for Africa»، الذي أحصى الدول الإفريقية التي سجلت اكتشافات جديدة في قطاع الغاز، أدرج 24 دولة ضمن خريطة الاكتشافات… دون أن يرد اسم المغرب بينها. معطى يعيد، وفق محللين في مجال الطاقة، طرح أسئلة جوهرية حول واقع المشاريع المعلنة، وفي مقدمتها مشروع تندرارا الذي كان عنوانًا بارزًا في السردية الرسمية حول “الغاز الوطني.
يؤكد خبراء تحدثوا لوسائل متخصصة أن الصورة التي قُدمت للرأي العام خلال الأعوام الماضية كانت “أكثر تفاؤلًا مما تسمح به المعطيات التقنية”، خاصة في ما يتعلق بالآبار الأساسية التي روّج حولها الكثير مثل TE-5 وTE-6 وTE-7. وتفيد مصادر تقنية مطّلعة على الملف أن الاختبارات لم تُظهر بعدُ ما يكفي من المؤشرات التجارية المستقرة، وأن الفجوة بين “وجود الغاز” و”إنتاجه تجاريًا” لا تزال كبيرة، ما يفسر الغياب عن تقارير دولية محايدة تُصنّف الاكتشافات وفق معايير واضحة.
وفي هذا السياق، تشير المصادر إلى أن جزءًا من الزخم الإعلامي الذي رافق مشروع تندرارا ارتبط بدخول فاعلين محليين في العقود التجارية، خصوصًا الاتفاق الذي ربط شركة Sound Energy بشركة Afriquia Gaz.
وترى المصادر أن توقيع ذلك الاتفاق قد استُخدم، في بعض الخطابات، كدليل على قرب انطلاق الإنتاج، رغم أن العقود التجارية — وفق تعبيرهم — “لا تعوّض المعطى الجيولوجي ولا تثبت الجدوى التجارية”، بل تظل رهينة بمردودية البئر والبنية التحتية والتكلفة الفعلية للإنتاج.
في السياق ذاته اشار مختصون في المجال، إلى أن انتقال جزء من أصول Sound Energy إلى مجموعة Managem لم يُطرح على الرأي العام بالنبرة نفسها التي رافقت الإعلانات الأولى للمشروع، على الرغم من أن انتقال الملكية هو مؤشر جوهري على إعادة تقييم المشروع، سواء من زاوية الجدوى أو من زاوية التمويل. ويعتبر مراقبون أن مثل هذه التحولات الكبرى “تستدعي شفافية أكبر” في تقديم المعطيات، حتى يتمكن الرأي العام من فهم دلالاتها الاقتصادية.
تبعا لذلك، فإن مقارنة الحالة المغربية بدول إفريقية أخرى يوضح الفجوة بين الوعود والإنجازات:
ففي الوقت الذي تحقق فيه دول في غرب وشرق إفريقيا اكتشافات مثبتة مدعومة باحتياطيات مؤكدة وخطط تطوير متقدمة، لا يزال المشروع المغربي في مرحلة انتقالية، تتطلب اختبارات أدق واستثمارات أكبر ومراجعة شاملة للبنية التحتية قبل الحديث عن إنتاج فعلي. ويؤكد هؤلاء أن أي تقييم موضوعي يجب أن ينطلق من الوثائق التقنية لا من البيانات الإعلامية.
وترى مصادر مطلعة أن السردية المتفائلة التي رافقت مشروع تندرارا، وتقدمت أحيانًا كعلامة على اقتراب “الانفراج الطاقي”، تحتاج إلى مراجعة متأنية. فالتقرير القاري الأخير—الذي لم يدرج المغرب ضمن خريطة الاكتشافات—عامل كاشف يعيد ترتيب الوقائع ويدعو إلى قراءة أبرد للملف، بعيدًا عن الضخ الإعلامي أو التوقعات غير المدعومة بالبيانات. .
وبينما يواصل البعض التأكيد على أن المشاريع جارية وأن هناك “مؤشرات إيجابية”، يدعو محللون إلى ضرورة ربط اي خطاب تفاؤلي بتقدم الاختبارات وبالوثائق المنشورة للعموم، وإعادة بناء الثقة عبر تقديم المعلومات كاملة، بدء بنسب الحصص، الجداول الزمنية الواقعية، كلفة التطوير، نتائج الاختبارات، وتفاصيل البنية التحتية المطلوبة لإطلاق الإنتاج.
من تالسينت الى تندرارة.. أين الغاز الذي بُشٌرَ به المغرب؟







