دخل ملف الجبايات المحلية بمدينة الدار البيضاء منعطفًا جديدًا مع شروع سلطات ولاية جهة الدار البيضاء – سطات في افتحاص شامل لطريقة تدبير الرسوم والحقوق الجماعية، في سياق وُصف من طرف مصادر نيشان بأنه يندرج ضمن مساعي تصحيح اختلالات راكمتها سنوات من التدبير غير المتجانس بين المقاطعات والجماعات، وما ترتب عنها من خسائر مالية وصعوبات قانونية.
وبحسب ما أفادت به المصادر، فإن مراسلات صادرة عن المصالح المركزية لوزارة الداخلية دقت ناقوس الخطر بخصوص وجود أخطاء في تحديد أوعية بعض الرسوم، وطريقة تصنيف الأراضي، خاصة تلك المتعلقة بالأراضي الحضرية غير المبنية، حيث جرى في حالات متعددة التعامل مع عقارات غير مستوفية لشروط “التجهيز” كما لو كانت مجهزة، رغم غياب شبكات الماء والكهرباء والتطهير، وهو ما يجعل إخضاعها لتسعيرات معينة غير مطابق للإطار القانوني المنظم.
وتشير نفس المعطيات إلى أن الافتحاص لم يقتصر على الجانب التقني للجباية، بل امتد إلى كيفية استغلال الملك الجماعي، بعدما سُجل، وفق تقارير داخلية، غياب حصر دقيق واستغلال منظم لعدد من الفضاءات والمرافق التي تدر موارد محتملة، من قبيل محطات الوقود ومواقف السيارات وبعض الأنشطة التجارية المستغلة للملك العام، وهي وضعية بررتها المصالح المعنية بندرة الموارد البشرية وضعف وسائل المراقبة.
في هذا السياق، وجه والي الجهة محمد امهيدية مراسلة رسمية إلى رئيسة المجلس الجماعي للدار البيضاء، نبيلة الرميلي، دعاها فيها إلى عقد دورة استثنائية للمجلس، من أجل الحسم في ملفات وُصفت بالاستراتيجية، وفي مقدمتها تحيين القرار الجبائي رقم 01/2018، المحدد لنسب الرسوم والحقوق المستحقة لفائدة ميزانية الجماعة، وذلك في انسجام مع التوجهات العامة للإصلاح الجبائي التي أقرها القانون الإطار رقم 69.19.
الدورة الاستثنائية، التي انعقدت مطلع الأسبوع الجاري وصادق خلالها المجلس بالأغلبية على مشروع التعديل، قُدمت رسميًا على أنها خطوة نحو ترشيد المنظومة الجبائية المحلية وتحقيق ما سُمي “العدالة الجبائية”، من خلال مراجعة تسعيرات الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية وفق مستوى تجهيز المناطق، وإسناد مهام تحصيل بعض الرسوم، مثل رسم السكن والرسم على الخدمات الجماعية والرسم المهني، إلى المديرية العامة للضرائب، بدعوى تحسين النجاعة والرفع من وتيرة التحصيل.
غير أن هذا المسار، وإن كان يندرج من حيث الشكل ضمن منطق الإصلاح، أثار في المقابل نقاشًا متزايدًا في أوساط المتابعين للشأن المحلي، الذين يرون أن تحيين التسعيرات قد يتحول عمليًا إلى عبء إضافي على فئات من المُلّاك، خاصة الصغار منهم، في ظل غياب آليات واضحة لمراعاة الوضعيات الاجتماعية والاقتصادية، وفي مدينة تعرف أصلًا ضغطًا متزايدًا على كلفة العيش واتساعًا في الفوارق الاجتماعية.
وتذهب المصادر إلى أن نقل جزء من مهام التحصيل إلى المديرية العامة للضرائب يعكس توجها نحو مركزة الجباية، بما يحمله ذلك من وعود بالنجاعة، ولكن أيضًا بما يطرحه من تساؤلات حول مستقبل القرب الإداري ودور المصالح الجماعية في بناء علاقة ثقة مع المواطنين.
وفي خلفية هذا كله، يظل الافتـحاص الذي باشرته الولاية عنصرًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت الاختلالات المسجلة ناتجة عن أعطاب بنيوية في المنظومة، أم عن ممارسات تدبيرية قابلة للتصحيح، وما إذا كان الإصلاح الجبائي الجاري سيقود فعلًا إلى عدالة في توزيع العبء الضريبي، أم سيبقى في جوهره أداة تقنية لسد عجز الموارد في سياق مالي ضاغط.







