يعيش قطاع التعمير بجماعة الدار البيضاء، منذ شهور، على وقع توتر مزمن عاد ليتفجر من جديد مع موجة استقالات جماعية داخل القسم، أعادت إلى الواجهة ملفا قديما متجددا يرتبط بتداخل الصلاحيات، وضغوط المنتخبين، وشبهات التدبير التي ظلت تلاحق هذا المرفق الحيوي في العاصمة الاقتصادية.
فبعد أقل من شهر ونصف على استقالة مدير مديرية التعمير والممتلكات والشؤون القانونية، وتخلي نائب العمدة المفوض له القطاع عن صلاحياته، عاد المشهد نفسه ليتكرر، وفق معطيات حديثة، مع تقديم مسؤولين بقسم التعمير استقالاتهم احتجاجا على ما يصفونه باختلالات بنيوية و”بلوكاج” يعطل السير العادي للإدارة.
وتفيد مصادر متطابقة بأن هذا الغليان الداخلي تزامن مع توجه عمدة المدينة، نبيلة الرميلي، نحو تعيين مهندس معماري سبق له الاشتغال بمقاطعة عين الشق، في خطوة أثارت تساؤلات داخل المجلس وخارجه حول خلفياتها وسياقها.
وحسب المصادر نفسها، فإن هذا التعيين المفترض لم يكن معزولاً عن تدخلات منتخبين نافذين، الأمر الذي سرّع وتيرة الاستقالات، ودفع مستشارين من الأغلبية إلى الحديث عن مراسلة مرتقبة لوزارة الداخلية “عبدالوافي لفتيت”، للمطالبة بإيفاد لجنة من المفتشية العامة للإدارة الترابية لافتحاص ما يجري داخل قطاع التعمير، الذي ظل لسنوات بؤرة للتجاذبات والاحتجاجات المهنية.
وتأتي هذه التطورات في امتداد لأزمة سابقة عرفها القطاع خلال الأشهر الماضية، حيث غادر مسؤولون بارزون مناصبهم في سياق مشحون، تحدثوا فيه، عبر مراسلات رسمية، عن ضغوط متزايدة، ونقص في الموارد البشرية والوسائل، وتداخل غير سليم بين القرار الإداري والتدخلات السياسية، ما صعّب الاستمرار في تدبير هذا المرفق.
ولم يكن هذا الوضع معزولاً، إذ سبق لفاعلين مهنيين، وفي مقدمتهم الهيئة الوطنية للمهندسين المعماريين، أن دقوا ناقوس الخطر بشأن ما وصفوه بعودة ممارسات قديمة ومحاولات للتأثير على مسار الملفات. وهو ما أكده رئيس المجلس الجهوي للهيئة، الذي أشار إلى شكايات وضغوط مورست على مسؤولي التعمير بسبب سعيهم إلى تسريع معالجة الملفات والحد من منطق التماطل.
كما أن الجدل حول قسم التعمير لا يقتصر على اليو مفقط، بل يعود على الأقل إلى سنة 2023، حين رفض والي جهة الدار البيضاء–سطات “محمد امهيدية” التأشير على قرار تعيين رئيسة جديدة للقسم، بسبب شكايات تتعلق بالابتزاز وعرقلة مشاريع لمنعشين ومستثمرين عقاريين، في واقعة وضعت القطاع آنذاك في قلب مساءلة مؤسساتية غير مسبوقة.
ومنذ ذلك الحين، ظل التعمير نقطة احتكاك دائمة بين المنتخبين والسلطة الوصية والمهنيين، وسط اتهامات بتجزئة التفويضات واحتفاظ رئاسة المجلس بخيوط القرار الفعلي، ما خلق ارتباكاً مؤسساتيا انعكس على مردودية الإدارة وثقة المرتفقين. ورغم محاولات احتواء الأزمة عبر إسناد التفويض لنائب عمدة من خلفية تقنية، فإن ذلك لم ينه الجدل، بل كشف، وفق متابعين، عن عمق اختلالات تتجاوز الأشخاص إلى نمط تدبير القطاع نفسه.
اليوم، ومع تجدد الاستقالات، يبدو أن ملف التعمير بالدار البيضاء عاد إلى واجهة التوتر، في انتظار ما ستسفر عنه تحركات وزارة الداخلية، وما إذا كانت ستفضي إلى معالجة جذرية قائمة على الوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة، أو أن القطاع سيظل رهينة شد وجذب يرهق الإدارة ويغذي الشكوك حول أحد أكثر الملفات حساسية في تدبير الشأن المحلي.







