تتواصل حالة القلق والترقب بمدينة القصر الكبير، مع دخول الفيضانات أسبوعها الثاني وسط مؤشرات ميدانية تنذر بتعقّد الوضع أكثر، بعد أن وسّعت السلطات المحلية دائرة الإخلاء لتشمل أحياء ومناطق كانت إلى وقت قريب خارج نطاق الخطر. المدينة عاشت، في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، على وقع نداءات استعجالية طالبت السكان بمغادرة منازلهم بشكل فوري، في مشهد يعكس حجم الضغط الذي فرضه الارتفاع المتواصل لمنسوب وادي اللوكوس والامتلاء غير المسبوق لسد وادي المخازن.
وأفادت مصادر محلية بأن أوامر الإخلاء همّت أحياء قريبة من مركز الإيواء بدوار بوشويكة، من بينها سيدي البياتي والوهراني ودرب سيكي، إضافة إلى مناطق أخرى محاذية لوسط المدينة، وهو ما اعتُبر مؤشرا واضحا على أن هامش الأمان تقلّص إلى حد كبير. ومع توالي ساعات الفجر، شرعت الأسر في مغادرة مساكنها تحت إشراف السلطات وعناصر الوقاية المدنية والقوات المساعدة، وسط حالة ارتباك وخوف، خاصة في صفوف الفئات الهشة التي لا تملك بدائل إيواء مستقرة.
وتتجه التقديرات إلى احتمال إجلاء آلاف السكان خلال الساعات المقبلة، في ظل توقعات باستمرار الضغط المائي على المدينة، مع تسجيل تساقطات متواصلة في الأقاليم المغذية لحوض اللوكوس، خصوصا وزان وشفشاون والعرائش.
في السياق ذاته، حظر مسؤولون محليون من أن أي تراجع مسجل في منسوب المياه يبقى ظرفيا، وأن السيناريوهات المطروحة لا تستبعد تفاقم الوضع في حال بلوغ السد مرحلة الإفراغ التلقائي لفائض الحمولة.
وكانت الدراسة قد عُلقت بجميع المؤسسات التعليمية بالقصر الكبير، وفتح إمكانية التنقل المجاني عبر القطارات انطلاقا من المدينة، لتسهيل مغادرة الراغبين نحو مدن أخرى. كما تم تشديد الإجراءات الأمنية والتنظيمية، وإقامة حواجز رملية إضافية، مع برمجة طلقات مائية ونصب خيام جديدة لإيواء المتضررين وتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية.
من جهتهم، ربط خبراء في المناخ والبيئة ما تعيشه القصر الكبير بسياق مناخي استثنائي، يتميز بتساقطات متوسطة إلى قوية لكنها متواصلة على مدى أيام، وهو ما أدى إلى ارتفاع غير اعتيادي في منسوب الأودية وفرض عمليات تفريغ مضبوطة للسدود. غير أن تزامن هذه العمليات مع هشاشة شبكات تصريف المياه وتوسع العمران في مناطق منخفضة ضاعف من حدة المخاطر، وكشف، بحسبهم، عن اختلالات بنيوية ظلت غير مرئية خلال سنوات الجفاف.
وفي مقابل الاستنفار الرسمي، تتصاعد دعوات الفاعلين المدنيين والنشطاء إلى التحلي باليقظة والالتزام الصارم بتعليمات الإخلاء، مع تعزيز التضامن الاجتماعي لاحتضان الأسر المتضررة، سواء داخل المدينة أو في المدن المجاورة. كما شدد مختصون على أن الأولوية القصوى في هذه المرحلة تظل لحماية الأرواح، محذرين من مخاطر البقاء في المنازل المغمورة بالمياه، خاصة مع احتمالات الصعق الكهربائي أو محاصرة السكان داخل أحيائهم.
وتعيش مدينة القصر الكبير، والتي غابت عنها مظاهر الحياة اليومية، واحدة من أصعب فتراتها، وسط صمت ثقيل يخيّم على شوارعها، وانتظار حذر لما ستكشف عنه الساعات المقبلة، في ظل تحذيرات من أن المدينة قد تكون على موعد مع ذروة الأزمة إذا استمرت الظروف المناخية الحالية بنفس الوتيرة.







