أعاد بلاغ المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، المتضمن لائحة من التعيينات الجديدة داخل هياكل الحزب، فتح النقاش حول طبيعة التحولات التنظيمية والسياسية التي يعرفها الحزب في المرحلة الراهنة، خاصة بعد التغييرات التي أعقبت رحيل عزيز أخنوش عن القيادة .
فالتعيينات المعلَن عنها، بحسب عدد من المتابعين للشأن الحزبي، لا يمكن قراءتها فقط في إطار ضخ دماء جديدة في التنظيم، بل تحمل في طياتها مؤشرات على إعادة ترتيب المواقع ومراكز النفوذ داخل الحزب، بما يعكس ملامح مرحلة جديدة تختلف عن تلك التي سادت خلال فترة قيادة أخنوش.
وفي هذا السياق، يثير إعفاء مصطفى بايتاس من منصب المدير العام للمقر المركزي للحزب، مباشرة بعد التغيير في القيادة، أكثر من علامة استفهام. فهذه الخطوة، وإن لم تُقدَّم بشأنها توضيحات مفصلة، يراها مراقبون دلالة سياسية قوية على بداية انقلاب هادئ في المواقع داخل الحزب، وعلى توجه واضح نحو القطع مع مرحلة سابقة.
كما أعلن المكتب السياسي، وعملاً بأحكام المادة 36 من النظام الأساسي، عن تعيين حسن الفيلالي أمينًا للمال، ومحمد شفيق بنكيران نائبًا له، في تعيينات لا تقل دلالة سياسية عن سابقتها.
ويرى محللون أن إعفاء بايتاس قد يشكل بداية عملية منهجية للتخلص من ما يُوصف بـ“الحرس القديم”، أي الأطر والقيادات التي ارتبط صعودها السياسي والتنظيمي بشكل وثيق بعزيز أخنوش، وكانت تُعد من الدائرة الضيقة المحسوبة عليه داخل الحزب.
وتُجمع قراءات سياسية على أن القيادة الجديدة لحزب الأحرار تسعى، من خلال هذه التعيينات، إلى بسط نفوذها التنظيمي وإعادة تشكيل مراكز القرار بما يضمن لها هامشًا أوسع من الاستقلالية، ويحدّ من استمرار تأثير شبكات الولاء القديمة.
وأعلن المكتب السياسي، استنادًا إلى المادة 43 من النظام الأساسي، تعيين يونس أبشير مديرًا مركزيًا للمقر، في خطوة تنظيمية بدت تقنية في ظاهرها، لكنها حملت دلالات سياسية قوية بالنظر إلى السياق الذي جاءت فيه، وإلى القرار الموازي المتمثل في إعفاء مصطفى بايتاس من مهامه كمدير عام للمقر المركزي للحزب.
ويُعد بايتاس، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، من الوجوه التي ارتبط اسمها بشكل وثيق بعزيز أخنوش خلال فترة قيادته للحزب، إذ راكم نفوذًا وازنًا داخل الهياكل التنظيمية، وكان يُقدَّم داخل دواليب الحزب، كأحد الأذرع الأكثر قربًا من الرئيس السابق.
ورغم أن بلاغ المكتب السياسي شدد على “الاستمرارية المؤسساتية” و”ترصيد المكتسبات”، فإن الوقائع التنظيمية المرافقة له توحي، وفق قراءات سياسية، ببداية التخلص التدريجي من الحرس القديم المرتبط بشبكة الولاءات السابقة، في أفق بناء قيادة جديدة أقل ارتباطًا بمرحلة أخنوش وأكثر انسجامًا مع توازنات ما بعد المؤتمر الاستثنائي.
وبين من يرى في هذه القرارات مجرد تنزيل عادي لمقتضيات النظام الأساسي، ومن يعتبرها مؤشرات على انقلاب هادئ في المواقع داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، يبقى المؤكد أن الحزب دخل مرحلة انتقالية دقيقة، ستكشف تطوراتها المقبلة ما إذا كان “مسار المستقبل” امتدادًا محسوبًا للماضي، أم قطيعة ناعمة معه.







