بينما تُظهر الأرقام استقرار المغرب في المركز 112 عالميا ضمن مؤشر السعادة لسنة 2026، فإن القراءة المتأنية في تفاصيل التنقيط تكشف عن اصطدام صريح بين تطلعات المغاربة لرفاه اجتماعي حقيقي وبين كوابح هيكلية مزمنة يتقدمها الفساد وضعف المردودية الاقتصادية للفرد.
ويرى مختصون في السياسات العمومية والحكامة، أن حصول المغرب على 4.46 نقطة من أصل 10 لا ينبغي أن يُقرأ كمجرد رقم إحصائي، بل كعامل يعكس الفوارق بين خطاب التنمية والواقع المعيش، حيث يبرز الفساد كعامل هدم أساسي لثقة المواطن في مؤسساته، مما يولد شعورا بالإحباط يغتال أي تحسن طفيف في متوسط العمر الصحي أو حرية اتخاذ القرارات الشخصية.
وفي قراءة لهذه المعطيات، يتبين أن التقرير يضع الأصبع على الجرح حين يربط بين انخفاض منسوب السعادة وبين نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يؤكد أن “الخبز اليومي” والعدالة في توزيع الثروة يظلان حجر الزاوية في أي شعور بالرضا العام.
ومع أن قراءات تحليلية تشير إلى أن التكافل العائلي والاجتماعي التقليدي ما زال يلعب دور “المسكن” الذي يمنع الانهيار النفسي الجماعي، إلا أن التقرير يستشف أن الدولة لا يمكنها الاستمرار في التعويل على جدران البيوت لامتصاص ضغوط تدهور الخدمات الصحية واتساع الهوة الطبقية.
وترى مصادر حقوقية، إن بقاء المغرب في الثلث الأخير من الترتيب العالمي، خلف دول تعيش اضطرابات سياسية وأمنية حادة، يطرح علامات استفهام مقلقة حول نجاعة السياسات العمومية الموجهة لمحاربة الريع وضمان تكافؤ الفرص.
الواقع أن السعادة في السياق المغربي لعام 2026 تبدو معطلة بسبب ما يمكن وصفه بـ “المثلث القاتل”؛ المتمثل في البيروقراطية التي تغذي الفساد، والهشاشة الاقتصادية التي تنهك الجيوب، وضعف التبرع المؤسساتي الذي يعكس أزمة ثقة عميقة في الفاعلين الجمعويين.
فالمواطن الذي يرى أن جهده يتبخر في دهاليز غير شفافة، أو أن ولوجه للخدمة الصحية يظل رهينا بوضعه المادي لا بمواطنته، لن يجد في “حرية قراره الشخصي” عزاءً كافيا.
وتخلص القراءة التقنية للمؤشر إلى أن تحسن الجوانب الحيوية كالصحة وطول العمر يظل مكسباً تقنيا ما لم يرافقه شعور بالأمان المالي والنزاهة المؤسساتية.
كما يُنبه مراقبون إلى أن استمرار التراجع مقارنة بسنة 2024 هو مؤشر إنذار مبكر بأن الصمود الاجتماعي الذي توفره العائلة له حدود، وأن المعركة الحقيقية لاستعادة سعادة المغاربة تمر بالضرورة عبر إصلاحات جذرية تقطع مع اقتصاد الريع وتجعل من النزاهة معياراً للترقي، بدلاً من ترك المواطن يواجه قدره وحيداً في مواجهة غلاء المعيشة وضعف الأفق.







