في غمرة النقاشات الصاخبة التي تملأ الفضاء الرقمي اليوم، وعلى عكس ما عهدناه في نهاية الستعينات وبداية الألفية، حين كان النقاش العمومي في المغرب “مقدسا” وله طقوسه، لا يمكن للمرء إلا أن يشعر بغصة حنين.
نتذكر جميعا كيف كانت شاشات التلفزيون تتحول إلى “برلمان شعبي” في برامج من طينة “في الواجهة” للإعلامية الراحلة “مليكة ملاك”، أو في تلك السجالات الفكرية الرصينة التي كانت تؤثث الصفحات الثقافية للجرائد الورقية. رغم محدودية المقروئية حينها، ورغم أن الإنترنت كان “ترفا” لم يقتحم البيوت بعد، إلا أن “المثقف” كان هو البوصلة، وكان للكلمة ثقلها، وللمعنى هيبته التي تفرض الاحترام على الجميع.
اليوم، ونحن نخطو في عام 2026، يبدو أن تلك “الأنوار” قد أُطفئت في صالوناتنا بدم بارد، لتعوضها أضواء “الرينغ لايت” البراقة والمخادعة. لقد استبدلنا “المثقف العضوي” الذي كان يشتبك مع قضايا التعليم والمدونة والهوية، بـ “مؤثر/إنفلونسر” رقمي لا يملك من زاد المعرفة سوى قدرة خارقة على “بيع الوهم” وتسويق التفاهة في قوالب من الذهب.
المفارقة المؤلمة هي أننا انتقلنا من زمن كان فيه “الرأي” يُبنى بالبحث والتمحيص، إلى زمن صار فيه “اللايك” هو صك الغفران، و”الترند” هو المفتي والمنظر والخبير الاقتصادي، في مشهد سريالي يعلن بوضوح عن “استقالة جماعية” للعقل المغربي.
والسؤال الذي يطرح نفسه بمرارة وسط هذا الضجيج، مَن المسؤول عن هذا “الخريف الثقافي”، هل هي الدولة التي رفعت يدها عن دعم “الفعل التنويري” والإعلامي الجاد، أم هو المجتمع الذي استلذ بـ “الوجبات الرقمية” السريعة والمليئة بالسموم؟.
الحقيقة أن جزءً كبيرا من اللوم يقع على عاتق المثقف نفسه، الذي اختار “التقاعد المبكر” واعتكف في برجه العاجي يندب حظه العاثر، عاجزا عن ابتكار لغة جديدة تكسر جدار “الأستاذية” وتخاطب شبابا يسكنون في شاشات هواتفهم. لقد ترك المثقف الساحة خالية لجيوش من “الفارغين”، فصار من الطبيعي أن نرى “تيكتوكر” يوجّه الرأي العام في قضايا مصيرية، بينما يلوذ الجامعي والمفكر بالصمت، خجلاً أو ربما خوفا من “تنمر” القطيع الرقمي.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد “فوضى تواصلية”، بل هو تهديد مباشر للبنية القيمية للمجتمع. فالمجتمع الذي يستقي وعيه من “لايفات مّي نعيمة” أو “الستريمر المالكي” هو مجتمع يبني مستقبله فوق رمال متحركة.
واستعادة “هيبة المعنى” ليست ترفا فكريا، بل هي معركة وجودية تتطلب من النخبة أن تغادر عزلتها وتعود إلى “الزنقة الرقمية” لانتشال ما يمكن إنقاذه، لأن أنوار العقل لا تنطفئ من تلقاء نفسها، بل تُخمد حين يتوقف أصحابها عن حمايتها، وإذا لم يسترجع المثقف مكانته “كقائد للتنوير”، سنظل نتفرج في صمت على جنازة “الفكر” في بلد كان يوما ما منارة للنقاش الذي لا يفسد للود قضية.







