بينما تواصل جرافات الهدم زحفها على عدد من العمارات السكنية الراقية في “حي المحيط” بقلب العاصمة الرباط، كما في مدن أخرى، مخلفة حالة من الذهول في صفوف ملاك وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة قرارات نزع الملكية بدعوى المنفعة العامة، يستعيد متابعون للشأن التشريعي كواليس جلسة ساخنة شهدتها لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب خلال دجنبر الماضي.
النقاش الذي فجره مقترح قانون تقدم به الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، لتعديل الفصل 40 من القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية، لم يكن مجرد مبادرة معزولة، بل محاولة استباقية للحد من ما يعتبره حقوقيون “اعتداءً مادياً” يتكرر اليوم على أرض الواقع، ويطرح أسئلة ملحة حول التوازن بين متطلبات المنفعة العامة وحماية الملكية الخاصة.
وبحسب المعطيات التي تم عرضها خلال أشغال اللجنة، فقد سعت المعارضة إلى إدخال تعديلات جوهرية على الفصل المذكور، من أبرزها منع الإدارة من تفويت العقارات المنزوعة ملكيتها قبل مرور خمس سنوات، وإلغاء مسطرة “السمسرة العمومية” التي تُحوّل، في نظر منتقديها، الدولة إلى فاعل مضارب في السوق العقارية، يعيد بيع ممتلكات الخواص بأثمان مرتفعة بعد نزعها مقابل تعويضات توصف بالهزيلة.
كما تضمن المقترح تمكين الملاك الأصليين من استرجاع عقاراتهم بثمنها الأصلي في حال تعثر إنجاز مشروع المنفعة العامة، مع تمديد أجل الأداء من 20 يوماً إلى سنة كاملة، بما يتيح لهم تعبئة الموارد المالية اللازمة لاستعادة أملاكهم.
غير أن هذا التوجه اصطدم برفض الأغلبية داخل اللجنة، حيث تم إسقاط التعديل بـ10 أصوات مقابل 6، وهو ما أبقى، وفق منتقدين، على الوضع القانوني القائم دون تغيير، وترك الباب مفتوحاً أمام ممارسات توصف بـ”شطط الإدارة”.
واستند الفريق الاشتراكي في مقترحه إلى مقتضيات الفصل 35 من الدستور، الذي ينص على حماية حق الملكية، معتبراً أن أي مساس غير مبرر به يشكل تهديداً للأمن القانوني والاقتصادي. وخلال المناقشة، أثارت ممثلة الفريق إشكالية لجوء الإدارة، في حالات تعثر المشاريع، إلى إعادة بيع العقارات المنزوعة عبر السمسرة العمومية بأثمان تفوق قيمتها الأصلية، ما يحرم المالكين السابقين من حق استرجاعها.
المناقشة العامة للفصل 40 عرفت بدورها مداخلات برلمانية حادة، حيث تم وصف بعض ممارسات نزع الملكية بـ”العنف المشروع”، في إشارة إلى لجوء بعض الإدارات والجماعات الترابية إلى وضع اليد على عقارات الخواص دون استكمال المساطر القانونية أو صرف تعويضات منصفة. كما شدد متدخلون على ضرورة ربط التعويض بالقيمة الحقيقية للعقار، بدل التقييمات التي يعتبرها المتضررون غير عادلة.
في المقابل، عبر عدد من النواب عن تحفظهم إزاء إلغاء مسطرة السمسرة العمومية، معتبرين أن ذلك قد يفتح المجال لاختلالات تدبيرية، أو يتيح إمكانية استفادة بعض الملاك من التعويض دون نية فعلية في استرجاع العقار.
ورغم شبه إجماع داخل اللجنة على تقادم القانون رقم 7.81 والحاجة إلى نص تشريعي جديد يواكب التحولات العمرانية والاقتصادية، فإن ميزان التصويت حسم لصالح الإبقاء على الوضع الحالي، في انتظار مشروع قانون شامل تعهدت الحكومة بإعداده.
اليوم، ومع تسارع عمليات الهدم في “حي المحيط” ومناطق أخرى، يعود ذلك النقاش البرلماني إلى الواجهة، حيث يرى متتبعون أن جزءاً مما يحدث كان يمكن تفاديه أو على الأقل الحد من آثاره، لو تم تمرير التعديلات المقترحة في حينها.
كما يعيد الواقع الميداني طرح إشكالية تحديد مفهوم “المنفعة العامة”، الذي يصفه منتقدون بكونه فضفاضاً وقابلاً لتأويلات واسعة، تفتح المجال أمام قرارات تمس بحقوق الملاك دون ضمانات كافية.
وفي ظل استمرار العمل بنص قانوني يعود إلى سنة 1981، واستمرار لجوء الإدارة إلى مسطرة السمسرة العمومية لتفويت العقارات المنزوعة، يجد عدد من المواطنين أنفسهم في مواجهة مسار قانوني معقد، يجعل من استرجاع ممتلكاتهم أمراً شبه مستحيل.
وبين وعود الإصلاح التشريعي وضغط الواقع الميداني، يظل ملف نزع الملكية أحد أبرز الاختبارات التي تطرحها التحولات العمرانية على صانع القرار، في سياق البحث عن معادلة توازن دقيقة بين متطلبات التنمية وضمانات حماية الملكية الخاصة.







