مرة أخرى يعود السجال حول موضوع الفراقشية كلما ضخت الدولة درهماً إضافياً في دعم إحدى المواد أو القطاعات، في مشهد بات يتكرر بميكانيكية تكاد تُصبح جزءًا من “دورة حياة” الدعم في المغرب. فبمجرد شروع الحكومة في تحويل المبالغ المخصصة للكسّابة ضمن البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع، ارتفعت حرارة الأسواق قبل حرارة جيوب المستفيدين، وظهرت القفزات الأولى في الأسعار مثل موجة لا تنتظر حتى تهدأ مياه الإعلان الرسمي. وكأن الوسطاء الذين يسيطرون على مسالك الأعلاف تلقّوا الإشارة من بعيد، فعادوا إلى ممارسة لعبتهم المعتادة: “التقاط المال العمومي في منتصف الطريق”.
وفي الأسواق الأسبوعية، لا يجد الكَسّاب الصغير سوى واقع واحد، مفاده أن الأسعار قفزت فجأة، دون تبرير، ودون دليل على نقص في العرض أو ارتفاع فعلي في تكاليف الإنتاج.
وتصف المصادر المشهد بوضوح أكبر، ملخصة ذلك في عبارة: “كلما سمعوا بالدعم، يشعلون السوق”. عبارة تختصر مساراً طويلاً من المضاربة التي تمرّ عبر قنوات ضيقة يعرفها الجميع ويتفاداها الجميع في الوقت نفسه، من خوف أو من يأس. فأسماء الوسطاء لم تتغير كثيراً، وأدوارهم في السوق لم تتبدل، غير أن حضورهم بات أقوى وأكثر قدرة على مراكمة الأرباح بفضل ضعف الرقابة وغياب الشفافية.
ولم يكن السؤال البرلماني الذي وجهه النائب أحمد العبادي إلى وزير الفلاحة مجرد مراسلة تقنية، بل جاء بمثابة محاولة لجرّ الملف إلى ضوء المؤسسة التشريعية، بعد أن لوحظ “تزامن مريب” بين صرف الدعم وارتفاع الأسعار.
وتذهب المصادر إلى أن القضية لم تعد فقط قضية أعلاف، بل قضية منهج في تدبير الدعم، حيث تُصرف المليارات بسرعة قياسية بينما تتحرك المضاربة بالسرعة نفسها، وربما أسرع، تاركة الكسّابة الصغار في مواجهة سوق متوحش.
الوزير أحمد البواري دافع في أكثر من مناسبة عن البرنامج، مشيراً إلى استفادة 912 ألف كسّاب من أربعة مليارات درهم في ثلاثة أسابيع، ومعتبراً أن ما تحقق “غير مسبوق في تاريخ الدعم الموجّه للصغار”. لكنه حين تحدث عن المراقبة و“التدخل الصارم ضد المخالفين”، بدا خطابه، رغم ثقله الرقمي، بعيداً عن نبض أسواق مثل تيسة وصفرو وزومي وولاد مبارك، حيث ترتفع الأسعار بطريقة لا تجد لها تفسيراً منطقياً إلا في منطق واحد: أن المضاربين هم من يحددون الإيقاع وليس الدولة.
ولفهم أعمق لهذا المشهد، تحدثت “نيشان” إلى الباحث في الاقتصاد السياسي محمد المتقي، الذي قال إن “الفراقشية ليسوا مجرد سماسرة ظرفيين، بل هم نتيجة تراكم سنوات من غياب آليات الضبط”، معتبراً أنهم “جزء من اقتصاد ظلٍّ يشتغل بثقة أكبر من ثقة الدولة في أجهزتها”. ويضيف أن توقيت ارتفاع الأسعار “يكشف أن هذه الشبكات تشتغل وفق منطق استخباراتي دقيق، بحيث تتحرك قبل وصول الدعم، وتعيد تشكيل الأسعار تحت ضغط الارتباك المؤسساتي، ثم تختفي بمجرد انتهاء الموسم، لتظهر من جديد في الموسم التالي”.
ويعتبر المحلل ذاته أن الحكومة “وقعت في فخ السرعة”، حيث أرادت إبراز القدرة على صرف أربعة مليارات في زمن قياسي، لكنها لم تُرفق ذلك بضبط مسبق لسلاسل التوزيع، ولا بآليات تتبع يومية للأسعار، ولا بخط ساخن شفاف لتلقي شكايات الكسّابة. “ضخّ الأموال وحده لا يكفي”، يقول المتحدث، موضحاً أن “أي دعم غير محروس يتحول تلقائياً إلى ريع، خصوصاً في القطاعات التي تهيمن عليها شبكات غير رسمية متجذّرة”.
وعلى أرض الواقع، تتردد روايات متعددة عن شاحنات تُفرغ الأعلاف ليلاً في مخازن خاصة، وعن تفاهمات بين بعض التجار تُرفع بموجبها الأسعار تدريجياً بالتزامن مع صرف الدفعات. وتحذر مصادر مهنية من أن استمرار الوضع بهذا الشكل سيؤدي إلى تآكل الدعم بالكامل، بحيث لا يلمس الكَسّاب أي أثر حقيقي، بينما تستمر أسعار اللحوم في الأسواق الحضرية بالمستويات نفسها أو أعلى، ما يعني أن المواطن – في نهاية المطاف – يدفع فاتورة المضاربة مرتين: مرة عبر الضرائب، ومرة عبر جيبه.
وفي انتظار تفاعل حكومي يرقى إلى حجم الأسئلة المطروحة، يظل هذا الجدل علامة على هشاشة المنظومة أكثر منه علامة على فشل ظرفي. فمنذ سنوات، تتكرر الدورة نفسها. برنامج دعم، ارتفاع مفاجئ في الأسعار، شكايات من الميدان، توضيحات رسمية، ثم عودة الأمور إلى نقطة الصفر. لكن هذه المرة يبدو الغضب أكبر، لأن صغار الكسّابة دخلوا موسم الشتاء بقلوب مثقلة، وهم يدركون أن الدعم الذي وُعدوا به قد لا يعينهم على شيء طالما ظلت الأسواق تُدار بمنطق: “من يصل أولاً يربح أكثر”.







