في وقت يتجدد فيه الحديث عن انفراج محتمل في العلاقات المغربية-الجزائرية عقب تبنّي مجلس الأمن الأممي لقراره الأخير حول الصحراء، كشف تقرير بحثي صادر عن مؤسسة جون جوريس الدولية للابحاث عن الكلفة الباهظة التي يدفعها المغرب والجزائر وباقي دول المنطقة بسبب استمرار تجميد اتحاد المغرب العربي، في ما يشبه «نزيفاً اقتصادياً صامتاً» يلتهم فرص النمو والاندماج الإقليمي منذ عقود.
التقرير الذي حمل توقيع الخبير بشار بنمومن يصف كلفة “اللا-مغرب” بالكلفة الفادحة، إذ لا تتجاوز المبادلات التجارية بين البلدان الخمسة 5% من حجم تجارتها الإجمالية، فيما تظل المبادلات بين المغرب والجزائر شبه منعدمة. وبحسب أرقام البنك الدولي التي استند إليها التقرير، فإن استمرار القطيعة بين الرباط والجزائر يكلف اقتصاد كل بلد ما بين نقطة إلى ثلاث نقاط نمو سنوياً، أي ما يعادل «خطة مارشال تُهدر كل عقد»، نتيجة الجمود السياسي والانغلاق الحدودي.
ولم يقف التقرير عند حدود النمو الضائع، بل ذهب أبعد حين أكد أن صندوق النقد الدولي سبق أن قدّر أن اندماجاً مغاربياً «عميقاً» كفيل برفع الناتج الداخلي الخام لدول المنطقة بما يصل إلى 30% في عشر سنوات، لو توفرت شروط التعاون وبناء سوق مشتركة تنافسية تضم مئة مليون مستهلك. غير أن هذا الأفق ظل، بحسب التقرير، رهينة الشكوك والمنازعات التي شلّت مشروع الاتحاد منذ عقود.
وفي الوقت الذي تبني فيه مناطق مثل جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية تكتلات اقتصادية قوية، يظل المغرب العربي—كما يصفه التقرير—سجينا لحدود مغلقة وخيارات مكلفة، حيث يكرر كل بلد بنية تحتية كان يمكن تقاسمها وخفض كلفتها، فيما تتوجه صادرات المغرب إلى أوروبا والولايات المتحدة، ويبيع الجزائر غازه للشمال، دون أي تفاعل اقتصادي بينهما.
التقرير نفسه يرى أن التغيرات الحالية في المنطقة، بدءاً من تبني مجلس الأمن لقرار 2797 الذي عزز الموقف المغربي حول مقترح الحكم الذاتي، وصولاً إلى رسائل التهدئة التي بعثها الملك محمد السادس للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، تجعل الحديث عن مصالحة مغاربية ممكنة لأول مرة منذ عقود، شرط توفر الإرادة السياسية لدى الطرفين.
ويشير التقرير إلى أن استنزاف «اللا-مغرب» لا يهم الاقتصاد فقط، بل يحرم المنطقة من بناء عمق استراتيجي مشترك قادر على مواجهة تحديات الطاقة والأمن والمناخ والهجرة. كما يلفت إلى أن أوروبا، رغم كونها الشريك الاقتصادي الأول للمنطقة، ما تزال «متفرجة» أمام دينامية دبلوماسية تقودها واشنطن، محذراً من خطر تراجع الدور الأوروبي في فضائه الجنوبي إذا لم يتحرك لاستثمار أي مصالحة مغاربية مقبلة.
ويخلص التقرير إلى أن اللحظة الراهنة قد تمثل منعطفاً تاريخياً إذا امتلك البلدان شجاعة تجاوز إرث الخلاف، معتبراً أن بناء مغرب عربي جديد ليس مسألة شعار سياسي، بل مشروع تنموي قادر على تحويل الغاز والهيدروجين والزراعة والأمن إلى أعمدة صلبة لنهضة مشتركة طال انتظارها.







