مازالت ردود الفعل المندّدة بما حدث داخل مجلس النواب تتوالى، بعد الجلسة الأسبوعية ليوم الاثنين فاتح دجنبر 2025 التي تحولت، في سابقة محرجة للمؤسسة التشريعية، إلى مواجهة كلامية حادة كادت تنفلت إلى عراك بالأيدي بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي وعدد من نواب العدالة والتنمية، قبل أن تتدخل أطراف أخرى لاحتواء المشهد الذي جرى بثه مباشر على مرأى المغاربة وبعث برسائل مقلقة حول مستوى النقاش داخل المؤسسة المنتخبة الأولى في البلاد.
الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان دخلت على الخط ببلاغ اعتبر أن ما جرى لم يكن حادثاً عابراً، بل مؤشراً على خلل أعمق يضرب صورة البرلمان وهيبته، خاصة بعد خروج المشادات عن السيطرة، واستعمال عبارات جارحة وتجاوزات لفظية لم تُبدِ رئاسة الجلسة صرامة كافية لوقفها في مهدها.
وأكدت الرابطة أنها تابعت “بقلق بالغ” اللحظات التي تحولت فيها جلسة الأسئلة الشفهية إلى ما يشبه صداماً مفتوحاً، بعدما ردّ وزير العدل على تعقيب نائبة من العدالة والتنمية بعبارة “مجلس قيادات الثورة”، وهو ما اعتُبر استفزازاً فجّر غضب فريق الحزب، ودفع بنائبه عبد الصمد حيكر إلى طلب نقطة نظام انتهت بطرده من القاعة وسط فوضى غير معهودة. الرابطة رأت في هذه الواقعة مثالاً ساطعاً على “تراشق لفظي يتنافى مع الدور التشريعي والرقابي للمؤسسة” ويعمّق أزمة الثقة بين المواطنين وبرلمانهم.
ولم يُخفِ البلاغ انتقاده الحاد لطريقة تدبير رئاسة الجلسة، التي اعتبرها غير منسجمة مع “الحياد والحكمة والمسؤولية المفروضة قانونياً”، مشيراً إلى أن بعض المواقف الصادرة عنها ساهمت في تأجيج الاحتقان بدل تهدئته. وأوضحت الرابطة أن الفصول الدستورية المنظمة لعمل المؤسسة التشريعية والنظام الداخلي للمجلس تضع رئاسة الجلسة في موقع يقتضي أعلى درجات الحياد وضبط الإيقاع، وهو ما لم يتحقق خلال هذا الاشتباك الكلامي الذي تابعته الرأي العام بذهول.
وذهبت الرابطة أبعد من ذلك حين ربطت ما وقع بمقتضيات المواثيق الدولية المنظمة لأخلاقيات العمل البرلماني، وعلى رأسها إعلان الاتحاد البرلماني الدولي لسنة 2009 ومدونات السلوك المعمول بها في برلمانات راسخة، والتي تشدد على الانضباط واحترام الخصوم السياسيين والحفاظ على كرامة المؤسسة ومنع أي خطاب جارح أو مهين. بالنسبة للهيئة الحقوقية، لم تكن هذه المعايير حاضرة لا في مداخلة الوزير، ولا في ردود بعض النواب، ولا حتى في إدارة الجلسة التي كان يفترض أن تشكّل صمام أمان.
وحذت الرابطة من تداعيات هذا الانفلات على صورة البرلمان لدى الرأي العام، معتبرة أن استمرار هذه الممارسات قد يحوّل المؤسسة، في لحظة دقيقة من حياة البلاد السياسية، إلى فضاء للصراع الشعبوي بدل النقاش الرصين وصياغة السياسات العمومية. ودعت جميع الأطراف إلى تحمّل المسؤولية، وتحصين قيم النقاش الديمقراطي، واعتماد مدونة سلوك ملزمة، بل والذهاب نحو تنظيم دورات تكوينية لفائدة النواب ورؤساء الجلسات لتذكيرهم بأساسيات العمل البرلماني.
البلاغ لم يغفل أيضاً الدعوة إلى تعزيز آليات الوقاية من الانفلاتات اللفظية، بعدما أدت مشادات وهبي وحيكر وما رافقها من عبارات صادمة – بينها وصف رئيس الجلسة نواب العدالة والتنمية بأنهم “ماركسيون على سنة الله ورسوله” – إلى خروج الوضع عن السيطرة، في أحد أكثر المشاهد ارتباكاً منذ بداية الولاية.
وأنهت الرابطة موقفها بالتأكيد على ضرورة “التحلي بضبط النفس والمسؤولية” باعتبار البرلمان مرآة القيم الديمقراطية في البلاد، وأن المواطنين ينتظرون منه أداءً راقياً لا يعكس فقط مستوى النقاش، بل أيضاً مستوى الاحترام المتبادل بين المؤسسات الدستورية.







