مع دخول القانون الجديد للمسطرة الجنائية حيّز التنفيذ، وجد الجدل طريقه سريعاً إلى صالونات النقاش القانوني، بعدما أثار خبراء سلسلة من الملاحظات التحذيرية حول ما اعتبروه “سوء فهم واسع” لطبيعة أحد أبرز المستجدات التي رافقت النص الجديد، والمتعلق بالتسجيل السمعي البصري للمشتبه فيهم.
ففي الوقت الذي رُوّج فيه لكون ضباط الشرطة القضائية سيشرعون، ابتداءً من 8 دجنبر الجاري، في تسجيل الاستجوابات بالصوت والصورة بشكل شامل، يؤكد المختصون أن النص جاء بحدود واضحة لا تلامس ما توحي به الانتظارات الاجتماعية من شفافية أكبر داخل مخافر الشرطة، بل إنها تكاد تحصر هذا المستجد في نطاق ضيّق لا يطال سوى حالات محدودة.
وحسب القراءة القانونية، فإن التسجيل السمعي البصري لا يشمل مرحلة الاستماع إلى المشتبه فيهم، ولا يغطي مجريات الاستجواب كما يتخيل الرأي العام، بل يقتصر حصراً على لحظة قراءة التصريحات المضمّنة في المحضر، وتلك المتعلقة بالتوقيع أو الإبصام أو الرفض، شرط أن يكون الأمر مرتبطاً بجناية أو جنحة يعاقب عليها بخمس سنوات حبسا فما فوق، وأن يكون الشخص في وضعية الحراسة النظرية. ويعني ذلك عملياً أن الغالبية العظمى من الملفات الجنحية، بما فيها القضايا الأكثر حضوراً في المحاكم، لن تستفيد من هذا الإجراء، رغم أنها الأكثر ارتباطاً بمقتضيات المادة 290 التي تمنح محاضر الشرطة حجية قوية يصعب دحضها.
ويثير هذا التحديد الضيق أسئلة ثقيلة حول جدوى المقتضى الجديد. إذ يشير قانونيون إلى أن النص لم يشمل لحظة تلاوة التصريحات على المشتبه فيهم الذين لا يتقنون القراءة، وهو ما اعتُبر تمييزاً غير مفهوم بين الفئات، كما لم يرتّب أي جزاء قانوني في حال عدم قيام الضابط بالتسجيل، ما يجعل الإجراء فاقداً لقوته الإلزامية ومنزوع الأثر على سلامة المحاضر. ومع أن المتهم يمكنه منازعة توقيعه أو المطالبة بمشاهدة التسجيل، فإن حق الاطلاع هذا يبقى بيد المحكمة وحدها، ودون إلزام قانوني يحتم عليها الاستجابة للطلب.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن تفعيل هذا المقتضى مرتبط بإصدار نص تنظيمي يحدد كيفية التسجيل، قبل أن تنص المادة 755 على انتظار خمس سنوات إضافية قبل دخوله حيّز التطبيق الفعلي. وهو ما اعتبره مختصون “فراغاً تشريعياً غريباً” يفرغ الإصلاح من محتواه، ويجعل الوعود المرتبطة برقمنة الإجراءات أشبه بـ“زوبعة في فنجان”، وفق التعبير المتداول داخل الأوساط القانونية.
ويتقاطع هذا النقاش مع سلسلة من المستجدات التي كشف عنها عدد من فقهاء القانون خلال عروض وندوات مواكبة لدخول المسطرة الجنائية الجديدة حيز التنفيذ. فقد حرصوا على التذكير بأن النص يتضمن خطوات مهمة لتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، مثل توسيع حق الدفاع، وتقوية دور المحامي خلال مراحل الاستنطاق، وتقييد اللجوء إلى الحراسة النظرية بوصفها تدبيراً استثنائياً، وفتح الباب أمام مراقبتها إلكترونياً عبر سجل وطني وجهوي يسمح للنيابة العامة بتتبع مددها لحظة بلحظة.
كما برزت فصول جديدة تتعلق بالحق في الصمت، وتوسيع نطاق المساعدة القانونية منذ الساعة الأولى للوضع تحت الحراسة النظرية، وتخفيض أمد الاعتقال الاحتياطي، وإعادة تنظيم مسطرة الصلح لتخفيف الضغط عن المحاكم، فضلاً عن منح المتضررين والمشتكين حق الاطلاع المنتظم على مآل شكاياتهم، وتعزيز إمكانية الطعن في قرارات الإيداع بالسجن.
ورغم هذه المستجدات التي اعتبرها بعض الخبراء تقدماً نسبياً، فإن الجدل حول التسجيل السمعي البصري ظهر كأحد “الملفات الرمزية” التي تختبر صدقية الإرادة التشريعية في الانتقال نحو عدالة أكثر صرامة في الضمانات وأقل اعتماداً على المحاضر. ويخشى قانونيون أن يُنتج سوء الفهم المنتشر حول هذا المقتضى “خداعة جماعية” تفترض انتقالاً نحو مرحلة جديدة من الشفافية، بينما تظل النصوص، بصيغتها الحالية، محدودة الأثر ومرتبطة بشروط تجعلها بعيدة عن التطبيق الواسع الذي ينتظره المجتمع.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار اليوم الاثنين الموافق للثامن من دجنبر 2025، باعتباره محطة فاصلة في تاريخ المسطرة الجنائية المغربية، يبدو أن النقاش الحقيقي قد بدأ للتو، وأن السنوات المقبلة ستختبر قدرة التشريع الجديد على تجاوز ثغراته، وإثبات جدواه في الميدان، وليس فقط على الورق.







