في مشهد سياسي يبدو محكوما بهاجس «ترميم الشرعية قبل ترميم النصوص»، تدخل المنظومة الانتخابية المغربية منعطفا حرجًا مع المصادقة على ثلاثة مشاريع قوانين وُصفت بالصارمة، تلك التي تسعى – وفق الخطاب الرسمي – إلى «سدّ منافذ الفساد وتحصين المؤسسة التشريعية»، بينما تراها أصوات أخرى أقرب إلى «هندسة سياسية وقانونية عالية المخاطر» قد تفتح الباب أمام صراع تأويلات بين دستورية الحق في الترشح وضرورات تخليق الحياة العامة.
السؤال الذي يتردد اليوم في الشارع والسياسة معًا هو ما إذا كانت انتخابات 2026 قادرة حقًا على إصلاح ما أفسدته انتخابات 2021، أم أننا أمام محاولة جديدة لضبط قواعد اللعبة دون المساس بجوهرها؟ وهل يكفي منع «المشبوهين» والمُدانين قضائيًا من دخول البرلمان لتطهير السياسة من المال الفاسد والنفوذ؟ أم أن الخطر قد يتسع ليطال أشخاصًا لا يزال القضاء لم يقل في حقهم الكلمة الأخيرة؟.
منذ الجلسة البرلمانية التي حضرها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت لمناقشة مشاريع القوانين، بدا واضحا أن الوزارة تتعاطى مع الاستحقاقات المقبلة بمنطق «إعادة هيكلة الثقة»، حتى لو تطلب الأمر تعميم قيود انتخابية تطال كل من صدرت ضده أحكام ابتدائية أو يتابع قضائياً. لغة الوزير كانت حاسمة «المسألة يجب تشديدها، ومنع المال والمشتبه بهم شرط لحماية العملية الانتخابية». جملة بدت للبعض خطوة في اتجاه «العملية الجراحية الجذرية»، ولآخرين بداية «نزيف حقوقي» قد يعيد عقارب الساعة إلى منطق الشبهة بدل الإدانة.
المعارضة لم تُخفِ قلقها. عبد الله بوانو ذكّر بمرارة انتخابات 2021، حيث انتهى عدد من البرلمانيين خلف القضبان بتهم فساد وانتخابية، وهو ما أضر بصورة المغرب دولياً وأعطى انطباعاً بأن العملية الانتخابية كانت أقرب إلى مزاد. لكن الرجل حذّر من أن تخليق السياسة لا يُختزل في المنع، بل في الإعلام الحر، التمويل النظيف، حياد الإدارة، ومسؤولية الأحزاب «في عدم الزج بالمشبوهين في اللوائح الانتخابية». ورغم ذلك يرى أن المنع المباشر بناءً على المتابعة القضائية «قد يصطدم بالدستور وقرينة البراءة».
المفارقة اليوم تكمن في أن القانون الجديد قد يعيد ترتيب المشهد السياسي بشكل مفاجئ. ففي حال تطبيقه بصرامة، ستجد أحزاب عديدة نفسها أمام اختبار قاسٍ: إما البحث عن وجوه جديدة أقل ارتباطًا بالمال والزبونية، أو الانكشاف أمام جمهور يرى أن قوته الانتخابية كانت تقوم على «أسماء كبيرة بحجم شبهاتها». سيناريوهات مطروحة داخل كواليس السياسة تشير إلى احتمال صعود أحزاب صغيرة أو ناشئة تمتلك رصيداً نظيفاً، مقابل تراجع أحزاب نافذة اعتادت الاعتماد على «الأعيان» لضمان المقاعد.
غير أن القانون، كما يحذّر باحثون في القانون الدستوري، قد يحمل وجهاً آخر. الباحث “كريم شهبون” نبّه إلى خطورة تحويل الشبهة إلى عقوبة سياسية، فالمتابعة ليست حكماً نهائياً، وقد يُبرّأ المتابع في مراحل الاستئناف أو النقض، بينما يكون قد خسر حقه في الترشح لدورة انتخابية كاملة. ما يعني عملياً أننا أمام «إدانة سياسية قبل الإدانة القضائية». وهو ما يعيد إلى السطح سؤال التناسب، والمساواة في الحقوق السياسية، واحتمال تحويل القانون إلى أداة إقصاء مقننة.
مخاوف أكبر عبّر عنها عبد العلي حامي الدين الذي يرى أن النص بصيغته الحالية «يمنح الإدارة القدرة على تعطيل ترشح أشخاص عبر تكييف التهم»، مشيراً إلى أن ضمان انتخابات نظيفة يبدأ من «حياد السلطة والإدارة، وتوسيع دور القضاء، وتجفيف منابع المال الانتخابي»، لا من توسيع دائرة الممنوعين فقط. والأخطر أن فتح باب المنع بناء على المتابعة قد يغري الأطراف السياسية باستعمال القضاء لتصفية مرشحين منافسين قبل موعد التصويت.
مع ذلك، يبدو أن الدولة تراهن على مقاربة أوسع من مجرد «فلترة المحظوظين». جزء من النقاش الدائر داخل صالونات السياسة يؤكد أن مشروع تخليق الانتخابات ليس محصوراً في النصوص، بل موجه بالأساس لإعادة هندسة الحقل السياسي بما يضمن بروز نخب جديدة أقل تصادماً مع المجتمع وأكثر قدرة على التعبئة. الباحث “شهبون” يرى في هذا الباب أن «تشديد دخول المؤسسة البرلمانية شرط سيادي لترميم الثقة». فالمغرب في حاجة إلى برلمان قوي يعكس الإرادة الشعبية، خصوصاً في ظل ملفات حساسة كالصحراء وتزايد حضور الدبلوماسية البرلمانية.
في مقابل ذلك يبرز السؤال الجوهري، حول ما اذا كان سيؤدي القانون الجديد إلى انتخابات نظيفة تُعيد ثقة المغاربة في السياسة؟ أم فقط «فلترة انتقائية» تزيد من التوتر وتفتح الباب أمام طعون دستورية؟ وهل التغيير سيكون في الوجوه أم في قواعد اللعبة؟.
السيناريو الأول المتفائل يفترض أن النصوص الجديدة ستُخفض منسوب المال الانتخابي، وترفع نسبة الشباب في البرلمان، وتقلل من حالات متابعة المنتخبين، ما قد يجعل انتخابات 2026 نقطة تحول. أما السيناريو الثاني فيحذّر من معارك قضائية قبل الحملة الانتخابية، واتهامات باستعمال القانون كـ«مقصلة سياسية»، وتراجع في المشاركة إذا شعر الناخب بأن جزءاً من اللعبة محسوم قبل بدايتها.
وما بين «تطهير المسار» و«تقييد الحق»، يقف المغرب على عتبة انتخابات قد تكون الأصعب منذ 2011. القوانين جاهزة، والجدل مكتمل الأركان، والكرة الآن في ملعب المؤسسات، القضاء، الأحزاب، ثم المواطن الذي سيقرر في النهاية إن كانت السياسة تستحق فرصة إضافية أم لا.







