تبدو فرنسا اليوم مثل فريق كرة قدم تعوّد على الفوز بالبطولات والكؤوس لسنوات متتالية، وفجأة وجد نفسه في “الدوزيام ديفيزيون”، وبدل أن يتقبل الوضع ويفكّر في كيفية العودة إلى قسم الكبار، يفضّل الإنكار، ويتصرف كأنه بطل العالم، وأحيانًا يزرع الفوضى في الملعب.
في الوقت الذي تقود فيه واشنطن مفاوضات جدية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، يتحرك ماكرون في كل الاتجاهات محاولا عرقلة أيّ اتفاق سلام. يحرّض زيلينسكي على التشدّد، ويبيعه طائرات رافال، ولا يتوقف عن استفزاز الدب الروسي، جارّا وراءه قارة بأكملها. الرئيس العاجز عن تشكيل حكومة مستقرة في بلاده، يهدد موسكو بالحرب، مما جعل بوتين يرد عليه… حتى أصبح قرع الطبول يسمع بوضوح في كلّ أوربا، طبول الحرب طبعا.
ماكرون يريد تخويف مواطنيه، لغاية في نفس يعقوب. من مدة وهو يعدهم بالدم والدموع. قبل أسبوعين فقط، أوعز لقائد الجيش أن يحثّ الفرنسيين على الاستعداد للتضحية بأبنائهم، لأن زمن السلم انتهى، كما نشرت الحكومة مايسمى ب”عدة النجاة”، أي ما ينبغي تخزينه استعدادا لأيام الحرب. “كيخلعو فالناس”. الحدود الفرنسية بعيدة جدا عن أوكرانيا ومع ذلك يتصرّف ماكرون كأنه في بولندا أو جورجيا أو ليتوانيا…
هناك عدم استقرار سياسي في فرنسا، منذ حلّ البرلمان في يونيو 2024، ورئيس الوزراء يتقاتل في الجمعية الوطنية كي يمرر الميزانية، والاستقطاب حادّ بين الفرقاء السياسيين، والاحتقان يضع المجتمع على حافة حرب أهلية…
وبدل ترتيب البيت الداخلي، يلجأ ماكرون للهروب إلى الأمام، والانخراط الدونكيشوتي في السياسة الخارجية، والتصرف مثل “عسيلة” في مواجهة القوى الكبرى. مؤخرا ذهب الى الصين كي يقنع شي جين بينغ بفك ارتباطه مع بوتين، دون أن يرف له جفن، وعاد طبعا بخفي حنين. زيارة من أجل لا شي كما كتبت جريدة “لوبينيون” !
كثير من السياسيين والمراقبين والمواطنين صدموا من تصرفات رئيسهم. ما يقوله الجميع بصوت منخفض، رددته سيغولين رويال على رؤوس الأشهاد: ماكرون يريد إشعال الحرب مع روسيا كي يبقى في السلطة ! المرشحة الاشتراكية السابقة لرئاسة الجمهورية لم تلك كلامها. هناك سابقة في تاريخ البلاد : عام 1848، انتخب الفرنسيون رئيسا اسمه لويس- نابليون بونابارت. بعد ثلاث سنوات، انقلب على الدستور وأعلن نفسه امبراطورا، واستمر نابليون الثالث في حكم فرنسا حتى أسقطته معركة “سيدان” ضد بروسيا في 1870. هل يريد ماكرون أن يحذو حذو نابليون الثالث؟ الدستور لا يسمح للرئيس بالترشح لولاية ثالثة، لكنه يستطيع البقاء في منصبه إذا نشبت الحرب، على غرار صديقه زيلينسكي… مصائب قوم عند قوم مناصب !
ليس فرنسا فقط، أوربا بكاملها سقطت إلى قسم الهواة، ولم يعد لها وزن في الصراعات الدولية، حتى إن الإدارة الأمريكية تتنبأ بوفاة القارة العجوز خلال أقل من عشرين عاما، كما جاء في “استراتيجية الأمن القومي” الجديدة، التي تداولتها وسائل الإعلام نهاية الأسبوع، وخلفت انزعاجا كبيرا بين الأوربيين. صحيح أن الوثيقة الأمريكية تربط الاضمحلال الأوربي بالهجرة، وترى في “اليمين المتطرف” حركات “مقاومة”، لكن النتيجة واحدة : تفكك ما يعرف ب”الغرب”، التحالف الذي يقود العالم منذ أكثر من قرن، وينهض على قيم تنعت بالكونية، في مقدمتها الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
في”لعبة الأمم”، تبدو أوربا في حالة شرود، خصوصا بعد مجيء ترامب وفصل المسارات. هناك تغيرات جذرية في خريطة التحالفات والأولويات أحدثتها الإدارة الأمريكية. المعادلة معكوسة، رغم أن “الأفعال” واضحة لا غبار عليها، كان الأوربيون ينتظرون “الأقوال”، كي يتأكدوا أن نزيل البيت الأبيض قلب عليهم الطاولة. “استراتيجية الأمن القومي” هي “ورقة الطلاق” بين الولايات المتحدة وأوربا. القارّة العجوز تحتضر، والحل هو دعم “اليمين المتطرف” كي يتشكل محور يستطيع تفكيك “الاتحاد الأوربي”… هذه خلاصة الوثيقة الأمريكية !
“وما تدري نفس بأي أرض تموت”، صدق الله العظيم. لقد توفيّ النظام الذي خرج من أنقاض الحرب العالمية الثانية، قضى نحبه في أوكرانيا تحديدا، عندما أعطى بوتين ضوء أخضر لجيوشه كي تهاجم كييف، في 24 فبراير 2022 !
“عسيلة” الفرنسي!







