الفيضانات تحدث في جميع دول العالم بوصفها قوة قاهرة لا يمكن التصدي لها..
لكن الدول التي تحترم أرواح مواطنيها تتعامل مع النشرات الإنذارية بجدية، حتى لا تُزهق أرواح الأبرياء.
ما حدث في مدينة آسفي هو تقصير واضح..
بل إهمال فادح لن يغطيه الخروج المتأخر لعامل الإقليم، ولا بلاغات التعزية والمواساة في إقليم كان منكوبًا حتى قبل الفيضانات.
ما حدث في آسفي، والفاجعة التي جرفت أرواح عدد من الأبرياء، يعيد إلى الذاكرة فيضانات طانطان، والضحايا الذين تم حشرهم في شاحنة أزبال، في مشهد وُسم في ذاكرة المغاربة يقينًا بأن حياتهم لا تساوي شيئًا لدى مسؤولين مشغولين بالانتخابات.
اليوم تبيّن أن مدننا من ورق..
وأن بنيتنا التحتية مغشوشة بسبب تبديد المال العام ، وسيادة اقتصاد الريع، وصرف ميزانيات ضخمة على اقتناء السيارات المكلفة للمستشارين، وفي المواسم، والتنقلات الوهمية، والحفلات، والتلاعب بمستقبل البلاد وبحياة المواطنين والمواطنات.
من الغرائب المستفزّة في هذا البلد أن تتوالى الفواجع والفضائح التي تكشف التقصير الفادح للمسؤولين أفقيًا وعموديًا، دون أن نسمع عن أي مساءلة أو محاسبة،
ودون أن يخرج فينا من يقول إنه يتحمّل وزر ما وقع…
أو أن التحقيق الذي فُتح كشف لائحة من المسؤولين الذين ستصدر في حقهم عقوبات، حتى ولو كانت «جدّ ناعمة».
هذا السيناريو القديم هو ذاته الذي تكرّر بعد فاجعة طنجة، التي أودت بحياة 28 شخصًا في مصنع قالت السلطة، دون حرج، إنه «سري»، قبل أن تستفيد من تحوير النقاش نحو فضائح وملفات أخرى تُلقى للمغاربة تباعًا، كما حدث بعد فاجعة فاس.
هذا الواقع يكشف أن مسؤولينا يتمتعون بحصانة متشابكة تُسقط عنهم تهمة التقصير، وتمنحهم هدنة طويلة الأمد مع الإفلات من العقاب.
واقع يؤكد أن الحبل الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة موجود..
لكن اليد التي يجب أن تقوم بهذه المهمة هي أساس المشكل… ولو فُعّل هذا المبدأ الدستوري بشكل صارم، لازدحمت المحاكم وغرف التحقيق، ووجد البلد طريقه نحو التغيير.
اليوم تجاوزنا عبث التقصير، وأصبحنا نعيش ممارسة جديدة قوامها الإنكار المطلق في مواجهة الرأي العام.
هو إنكار يتخذ صيغة رواية رسمية تُولد بعد كل مصيبة أو كارثة..
رواية رسمية تستبق، في كثير من الأحيان، نتائج التحقيق القضائي بوقائع مناقضة تصب في اتجاه واحد، وهو مسح أي بصمة تقصير، إن لم يتطور الأمر إلى تحميل الضحايا المسؤولية.
للتذكير فقط، فقبل فاجعة آسفي كانت هناك مأساة فيضانات طانطان، التي أودت بحياة 36 مغربيًا، طواهم النسيان تمامًا، كما جرفتهم السيول.
من الطبيعي أن تنزعج السلطة من ردود الفعل الغاضبة التي تزيد من تفاقم سخط المغاربة… لكن التصدي لهذا الشعور لا يكون بالإنكار المطلق،
بل بالمسارعة أيضًا إلى معالجة أوجه الخلل والتقصير التي يعج بها الواقع، والتي لا يمكن لأي رواية رسمية أن تصمد أمامها، في انتظار فاجعة جديدة.







