في خضم النقاش المتصاعد حول مستقبل السياسة النقدية وسعر صرف الدرهم، جاءت تصريحات والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، لتعيد ضبط الإيقاع، ولكنها في الآن نفسه كشفت عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي المتفائل والقراءة التقنية الأكثر حذراً للواقع الاقتصادي. عبارة “لم نصل إلى مرحلة التعويم” لم تكن مجرد توضيح عابر، بل حملت في طياتها اعترافًا ضمنيًا بأن شروط هذه الخطوة الحساسة لم تنضج بعد، رغم ما يُسوَّق من مؤشرات “القوة” الاقتصادية.
وشدد الجواهري خلال الندوة الصحافية التي أعقبت قرار تثبيت سعر الفائدة الرئيسي في حدود 2,25 في المائة، على أن المغرب يفضل حالياً التوجه نحو “استهداف التضخم” بدل الانخراط السريع في مسار تعويم العملة. هذا الخيار، في نظر مصادر مالية، يعكس إدراكًا دقيقًا لمحدودية هامش المناورة، في سياق يتسم بارتفاع كلفة المعيشة، وضغوط متواصلة على الميزان التجاري، واعتماد كبير على الواردات.
المعطيات الرسمية نفسها تكشف جانبا من هذه الهشاشة. فالعجز التجاري للمغرب ما يزال في مستويات مقلقة، إذ يتجاوز 25 في المائة من الناتج الداخلي الخام في بعض السنوات، مدفوعًا بفاتورة طاقية وغذائية ثقيلة. صحيح أن الصادرات الصناعية، وعلى رأسها السيارات، سجلت أرقاماً قياسية، حيث تجاوزت صادرات قطاع السيارات 140 مليار درهم سنويًا، لكن مصادر اقتصادية تشير إلى أن هذا الأداء، رغم أهميته، لا يكفي لتغيير الصورة العامة، لأن الواردات تنمو بوتيرة أسرع، ولأن القيمة المضافة المحلية تظل محدودة في عدد من هذه القطاعات.
في هذا السياق، تبدو المقارنة مع دول أخرى اختارت تعويم عملاتها ذات دلالة. ففي مصر، مثلاً، أدى التعويم المتسارع للجنيه إلى فقدانه أكثر من نصف قيمته في فترة قصيرة، وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية تجاوزت 30 في المائة، مع تآكل واسع للقدرة الشرائية. وفي الأرجنتين، ورغم اختلاف السياق، ظل التعويم مصحوباً بدورات تضخمية متكررة وعدم استقرار مالي. مصادر مغربية ترى أن هذه التجارب حاضرة بقوة في حسابات صناع القرار، خاصة في بلد يعيش فيه جزء كبير من السكان على مداخيل ثابتة أو هشة.
حتى في المغرب، حين جرى توسيع نطاق تقلب الدرهم تدريجياً في السنوات الماضية، ظهرت آثار مباشرة على أسعار بعض المواد المستوردة، ما دفع بنك المغرب إلى التدخل المتكرر للحفاظ على الاستقرار. وهو ما يفسر، بحسب محللين تحدثوا لـ “نيشان”، إصرار الجواهري على مقاربة “التدرج” ورفضه التعويم الشامل في الظرف الحالي.
في المقابل، يواصل الخطاب الحكومي التركيز على “اقتصاد صامد” و”تحول صناعي ناجح”، مستشهداً بأرقام الصادرات وجلب الاستثمارات الأجنبية. غير أن مصادر مطلعة تعتبر أن هذا الخطاب انتقائي، لأنه يتجاهل مؤشرات أقل إشراقاً، مثل ضعف النمو في بعض السنوات، وارتفاع المديونية العمومية، وتباطؤ خلق فرص الشغل. والأهم، كما يشير اقتصاديون، أن والي بنك المغرب نفسه أقر بأن الصادرات، رغم تحسنها، “غير كافية”، وهو تصريح يحمل قراءة مغايرة تماماً للصورة الوردية المتداولة.
هذا التباين بين خطاب سياسي يسعى إلى الطمأنة، وخطاب تقني يقر بالاختلالات، يضع الرأي العام أمام مشهد غير متجانس. فالتعويم، في نهاية المطاف، ليس وصفة سحرية، بل قرار عالي المخاطر، لا يمكن عزله عن البنية الإنتاجية، ومستوى الادخار، وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
وتلخص مصادر مالية الموقف بالقول إن تخوف المغرب اليوم ليس من التعويم كخيار نظري، بل من توقيته وكلفته الاجتماعية. ففي اقتصاد لا يزال يعاني من تضخم مستورد، واعتماد قوي على الخارج، قد يتحول التعويم غير المحسوب إلى عامل تعميق للأزمة بدل أن يكون أداة للإصلاح.
وبين خطاب حكومي يصر على إبراز الإنجازات، وتحذيرات بنك مركزي يتحدث بلغة الأرقام والوقائع، تبدو رسالة الجواهري واضحة، ومفادها أن المغرب لم يصل بعد إلى لحظة التعويم، ليس لغياب الإرادة، بل لأن الواقع الاقتصادي، بكل تناقضاته، لا يحتمل مغامرة من هذا الحجم.







