مازال ملف تمثيلية الأطر الإدارية والتقنية داخل المجالس الإدارية للمجموعات الصحية الترابية يراوح مكانه، وسط استمرار الجدل المؤسساتي والنقابي حول ما يعتبره معنيون “إقصاءً ممنهجاً” لفئة واسعة من الموارد البشرية الصحية من هياكل الحكامة الجديدة التي أُحدثت في إطار إصلاح المنظومة الصحية. هذا الملف عاد ليطرق باب البرلمان من جديد، بعد أن وجّه فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمجلس المستشارين سؤالاً كتابياً إلى “أمين التهراوي” وزير الصحة والحماية الاجتماعية، مطالباً بتوضيحات حول خلفيات هذا الغياب والإجراءات المرتقبة لتصحيحه.
السؤال، الذي وقّعه المستشار عبد اللطيف مستقيم، استحضر خطاب الحكامة الجيدة والتدبير التشاركي الذي تؤكد عليه الوزارة في تنزيل ورش المجموعات الصحية الترابية، مقابل ما وصفه باختلال واضح في تشكيلة المجالس الإدارية، التي لا تضمن تمثيلية منصفة وشاملة لكافة مكونات الموارد البشرية الصحية، وفي مقدمتها الأطر الإدارية والتقنية.
ولفت الفريق البرلماني إلى أن هذه الفئات تضطلع بأدوار محورية في التسيير الإداري والمالي والتقني وضمان استمرارية وجودة الخدمات الصحية، وهو ما يجعل تغييبها عن مواقع القرار أمراً يطرح أكثر من علامة استفهام.
وبحسب ما ورد في السؤال البرلماني، فإن هذا الإقصاء يتجلى بشكل واضح في عدد من الجهات، من بينها جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، ويتنافى مع مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص، كما يحد من إشراك فئات واسعة من العاملين بالقطاع في بلورة القرار العمومي الصحي، ويفرغ مقاربة الحكامة التشاركية من مضمونها العملي. وساءل الفريق وزير الصحة والحماية الاجتماعية عن المبررات القانونية والتنظيمية التي اعتمدت في إقصاء الأطر الإدارية والتقنية من عضوية هذه المجالس، وعن التدابير التي تعتزم الوزارة اتخاذها لضمان تمثيلية عادلة ومتوازنة داخل هياكل الحكامة الصحية.
ويأتي هذا التحرك البرلماني في سياق مسار متوتر عرفه الملف خلال الأشهر الماضية، بعدما رفعت النقابة المستقلة للأطر الإدارية والتقنية للصحة والحماية الاجتماعية مذكرة رسمية إلى مؤسسة وسيط المملكة، اعتبرت فيها أن استبعاد هذه الفئة من التمثيلية داخل المجالس الإدارية يشكل خرقاً لمقتضيات القانون 08.22 المنظم للمجموعات الصحية الترابية، ويتعارض مع المبادئ الدستورية للعدل والإنصاف. النقابة كانت قد شددت على أن هذه الفئة تمثل الكتلة البشرية الثانية داخل المنظومة الصحية، بما يفوق 17 ألف موظف وموظفة، أغلبهم من حاملي الشواهد العليا، ويؤدون وظائف أساسية في تدبير المصالح الإدارية والاستشفائية.
غير أن دخول مؤسسة الوسيط على الخط لم يُنهِ الجدل، إذ عادت النقابة نفسها في نونبر الماضي للطعن في جواب المؤسسة، معتبرة أنه لم يلامس جوهر الإشكال واكتفى بإحالة موقف وزارة الصحة دون تفعيل حقيقي لآليات الوساطة والتوفيق المنصوص عليها قانوناً. وأعادت النقابة حينها تسليط الضوء على المرسوم 2.23.1054 الصادر في مارس 2025، الذي حدد تشكيلة المجالس الإدارية دون إدراج الأطر الإدارية والتقنية، رغم إدراجهم ضمن مهن الصحة في القانون 08.22 وفي النظام الأساسي النموذجي.
في ظل هذا السياق، يُقرأ السؤال البرلماني لفريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب باعتباره امتداداً لمسار الضغط المؤسساتي لإعادة فتح الملف على المستوى الحكومي، في لحظة يوصف فيها إصلاح المنظومة الصحية بورش هيكلي كبير لا يحتمل، بحسب الفاعلين المعنيين، استمرار اختلالات تنظيمية تمس مبدأ المشاركة وتكافؤ الفرص داخل القطاع.
ويبقى الرهان معقوداً على جواب وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وما إذا كانت ستتجه نحو مراجعة المقتضيات التنظيمية المؤطرة للمجالس الإدارية، أم ستواصل الدفاع عن اختياراتها الحالية رغم اتساع دائرة الانتقادات.







