النقاش والتفاوض مع السيد وزير العدل استغرق وقتًا طويلًا، تخللته عدة لقاءات حضرتها اللجنة الموضوعاتية المنبثقة عن مكتب الجمعية، بعد سحب نسخة المسودة المتعلقة بقانون المهنة من الأمانة العامة للحكومة. تميّزت اللقاءات بكثير من العمق والنقاش الجاد، شمل جميع مقتضيات المشروع ابتداءً من التعريف بماهية المحاماة إلى مختلف المؤسسات والمهام والصلاحيات.
ومنذ البداية كان التركيز على المقتضيات ذات الصلة بجوهر المهنة وهويتها القانونية والحقوقية والأخلاقية، التي لا يمكن تصورها بتحييد أو تقليص من حرية المهنة واستقلاليتها وحصانتها.
وفي كل لقاء كان السيد الوزير يبدي تفهمًا كبيرًا لملاحظاتنا واقتراحاتنا، التي كان السيد رئيس الجمعية يترجمها في النقاش بالدقة والاتزان والموضوعية التي يقتضيها مسار التفاوض. وفي آخر لقاء تم التوافق مع السيد الوزير على أن بعض المقتضيات الخلافية التي لا تمس بمكتسبات المهنة سنتركها للبرلمان ما دام الأساسي قد تم الاتفاق حوله.
لكن للأسف جاء المشروع بمقتضيات جديدة، في جزء مهم منها، لا علاقة لها بما تم التوافق عليه، والأمر لم يكن مجرد تعديل في صياغة النصوص، بل تغييرًا يناقض حتى ما كان السيد الوزير يلح على ضرورة تضمينه.
شخصيًا لم يفاجئني ذلك، ليس لانعدام الثقة في الوزارة، ولكن بسبب إصرار بعض الجهات على التأسيس لمحاماة على المقاس، والتي طبعًا لا تنظر بعين الرضى إلى واقع محاماة حرة ومستقلة وقوية، قادرة على خلق شرط التوازن الضروري لعدالة حقيقية في مغرب قوي بمؤسسات تحترم نطاق اختصاصاتها، لا أن تسعى إلى احتكار وتوجيه مجرى هذه العدالة خارج سياق الاختصاصات الموكولة حصرًا لمؤسسات دستورية، المفروض أن تكون مستقلة وتعكس روح الدستور ومبادئه ومقتضياته، وتجعل من المكتسبات حدًا أدنى لا يمكن النزول عنه بمبررات تُصاغ في دوائر مغلقة ويتم التمهيد لها بقرارات ومواقف وخطابات معلنة أحيانًا.
رفضنا لمشروع القانون نابع من قناعة راسخة بأن المحاماة في المغرب هي نتاج نضالات المحاميات والمحامين، وهي نتاج أيضًا لتصور دولة ظلت تحترم أهلها والمنتسبين إليها حتى في الظروف الصعبة. فكيف نقبل اليوم، بعد دستور 2011 وما تحقق على مستوى استقلال السلطة القضائية، أن نُحاصر في زوايا التضييق والنيل من مقومات المهنة ومرتكزاتها ومسارها ومؤسساتها؟ ما حدث لا يمكن أن نقبل به، وسنواجهه بالوضوح والقوة اللازمتين، مسلحين بأخلاق المحاماة ومبادئها وقيمها.
نعم، التزمنا بآليات وشروط التفاوض، وتجنبنا كل ما من شأنه أن يربك هذا المسار أو يشوش عليه، لتعميق أواصر الثقة المتبادلة، مسترشدين بتجارب مؤسساتنا المهنية في علاقتها بالوزارة المكلفة بالتشريع، إلا أن النتيجة كانت انقلابًا مؤسساتيًا، أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه لا يليق بمغرب اليوم.
للإشارة، فالتشريع للمحاماة يبقى تصورًا سياسيًا بالدرجة الأولى، يُقاس به مستوى الديمقراطية في أي بلد، كما يُقاس به مستوى العدالة ومستوى الحرص على حماية الحقوق والحريات. ومن هذا المنطلق وبهذا المعنى، فنحن مستعدون للذود عن مكتسباتنا وعن تاريخنا وحاضر ومستقبل مهنتنا، والرجّة التي حدثت لن تنال من عزيمتنا وقوة إرادتنا، بل لن تزيدنا إلا صبرًا وصمودًا. وربما ما يخفى عن البعض أنه لا تربطنا بالمهنة المسؤوليات والمناصب العارضة، بل علاقتنا بها علاقة وجودية، لن نرضى عن حريتها واستقلاليتها وحصانتها بديلًا.







