تشهد عدد من المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية بقطاع التربية الوطنية، بجهة سوس ماسة، حالة تذمر متصاعدة في صفوف فئة رؤساء المصالح والأقسام، على خلفية ما تعتبره هذه الفئة استمراراً في تحميلها مسؤوليات متزايدة دون أن يواكب ذلك أي اعتراف مهني أو إداري أو مادي يعكس حجم الأدوار التي تضطلع بها داخل المنظومة التربوية.
مصادر من داخل القطاع تحدثت عن “احتقان مهني صامت” يتنامى منذ سنوات، تغذيه الفجوة بين اتساع دائرة التكليفات اليومية، وبين جمود الوضعية النظامية لهذه الفئة مقارنة بفئات أخرى داخل نفس الهرم الإداري.
وتشير نفس المصادر إلى أن رؤساء المصالح والأقسام يوجدون في قلب تنزيل مختلف الإصلاحات المتعاقبة التي عرفها التعليم خلال العقدين الأخيرين، من المخطط الاستعجالي إلى الرؤية الاستراتيجية، ثم القانون الإطار وخارطة الطريق الحالية، حيث يتكفلون فعلياً بترجمة هذه الاختيارات إلى إجراءات عملية تشمل تدبير الموارد البشرية، تنظيم الامتحانات الإشهادية، إعداد الخرائط التربوية، تتبع البناء والتأهيل، الإحصاء المدرسي، مواكبة المؤسسات التعليمية، وضمان التنسيق اليومي بين مختلف المتدخلين.
هذا الدور المحوري، حسب المتحدثين، لم يواكبه أي تحديث للإطار التنظيمي أو لنظام التعويضات، ما خلق شعوراً واسعاً بالحيف وبأن هذه الفئة تتحمل كلفة الإصلاح دون أن تستفيد من ثماره.
وفي هذا السياق، دخل المكتب الجهوي للنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الفيدرالية الديمقراطية للشغل على خط هذا الملف، عبر بيان عبّر فيه عن “قلق بالغ واستياء عميق” من وضعية رؤساء المصالح والأقسام، معتبراً أنهم تحولوا إلى ضحايا تهميش مؤسساتي رغم كونهم يشكلون العمود الفقري للاشتغال الإداري داخل القطاع.
البيان ربط بين اتساع دائرة المسؤوليات وتعقّد المهام من جهة، واستمرار العمل بنصوص تنظيمية متقادمة من جهة أخرى، لا تعكس لا طبيعة الاشتغال الفعلي ولا امتداده الزمني الذي يشمل العطل ونهايات الأسبوع.
وأبرز المصدر النقابي أن هذا الاختلال يزداد وضوحاً عند مقارنته بما عرفته أنظمة التعويض والتحفيز لفئات أخرى داخل نفس القطاع، معتبراً أن الفجوة المتسعة في المعاملة الوظيفية تمس بمبدأ الإنصاف، وتضعف من جاذبية تحمل المسؤولية، بل وتهدد استقرار المرفق العمومي في المدى المتوسط. وفي ظل غياب أي تجاوب رسمي مع المطالب المرفوعة منذ سنوات، أعلنت الفئة المعنية انتقالها من منطق الترافع الهادئ إلى منطق “التنبيه المسؤول”، عبر خطوات احتجاجية أولية، وُصفت بأنها رسالة إنذار أكثر منها تصعيداً مباشراً.
النقابة أكدت في وثيقتها حرصها على السير العادي للمرفق العمومي، لكنها ربطت ذلك بضرورة فتح حوار جاد ومسؤول يعيد الاعتبار لهذه الفئة، سواء عبر تحيين الإطار القانوني المنظم لمهامها، أو عبر إقرار مسار مهني واضح ومنصف، ومراجعة شروط التعيين، وتوفير الحماية القانونية أثناء ممارسة المهام، وضبط زمن العمل الإداري، وتقليص العبء البيروقراطي، وتحسين ظروف الاشتغال، وضمان التكوين المستمر، وإشراك المعنيين في إعداد وتتبع السياسات العمومية التربوية.
ووفقا لمصادر مهنية، يطرح هذا الملف في العمق، سؤال العدالة الوظيفية داخل الإدارة التربوية، وحدود قدرة المنظومة على إنجاح إصلاحاتها دون إعادة ترتيب العلاقة بين المسؤولية والاعتراف، وبين حجم الأدوار وحجم الحقوق، في وقت ترفع فيه الدولة سقف الانتظارات من المدرسة العمومية ومن إدارتها، بينما تظل بعض حلقاتها الأساسية تشتغل في الظل، وبإمكانات تنظيمية ومادية لم تعد تواكب التحولات التي يعرفها القطاع.







