مازالت الانتقادات حول مشروع “مؤسسات الريادة”، الذي تقدمه وزارة التربية الوطنية باعتباره رهانا مركزياً لتجويد التعلمات ومحاربة الهدر المدرسي، تتصاعد داخل عدد من الأقاليم، آخرها إقليم وزان، حيث تحوّل تنزيل المشروع من “ورش إصلاحي” إلى مصدر توتر واحتقان داخل المؤسسات التعليمية، بسبب ما يعتبره الأساتذة اختلالات تقنية وبيداغوجية وتنظيمية تمس جوهر العملية التربوية.
معطيات من داخل المؤسسات المعنية تشير إلى أن الانخراط في المشروع تم في ظروف غير مهيأة، إذ وجد الأساتذة أنفسهم مطالبين بتطبيق برامج جديدة دون التوصل في الوقت المناسب بالعدة الرقمية والموارد البيداغوجية الضرورية، وبالاعتماد على منصات إلكترونية غير مستقرة أو معطلة في كثير من الأحيان. هذا الوضع جعل الممارسة الصفية رهينة للأعطاب التقنية وللاجتهاد الفردي، وأربك التخطيط التربوي، وأهدر جزءاً مهماً من الزمن المدرسي في معالجة المشاكل بدل استثماره في بناء التعلمات.
الانتقادات امتدت كذلك إلى مضامين بعض الدروس والأنشطة، حيث جرى تسجيل أخطاء معرفية وارتباكات في الصياغة والتدرج، ما أعاد طرح سؤال الكفاءة العلمية والبيداغوجية للفرق التي أعدّت هذه الموارد، ومدى خضوعها لمسطرة مراجعة دقيقة قبل تعميمها على التلاميذ. بالنسبة لعدد من المدرسين، لم يعد الأمر يتعلق بتفاصيل تقنية معزولة، بل بمسألة ثقة في مضمون الإصلاح نفسه وفي قدرة المنظومة على إنتاج أدوات تربوية رصينة ومتماسكة.
وفي مجال التقويم، ازدادت حدة التوتر مع اعتماد فروض موحدة قيل إنها لا تنسجم دائماً مع الكفايات المعلنة في المنصات الرقمية، ولا تعكس بدقة ما تم إنجازه فعلياً داخل الأقسام. كما وُصفت برمجة الامتحانات المحلية والتصحيح بالضاغطة، حيث طُلب من الأساتذة الإدلاء بالنتائج في آجال قصيرة، ما اعتُبر إخلالاً بحق المتعلم في تقييم منصف ومتأن، وبحق الأستاذ في الاشتغال في شروط تحترم طبيعة عمله ومسؤوليته التربوية.
في هذا السياق، دخلت الكتابة الإقليمية للجامعة الوطنية لموظفي التعليم بوزان، التابعة للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، على الخط عبر بيان استنكاري صدر عقب اجتماع خُصص لتقييم حصيلة الأسدوس الأول، حمّلت فيه الوزارة الوصية مسؤولية ما وصفته بفشل تدبيري واحتقان متزايد داخل المؤسسات المنخرطة في المشروع، وانتقدت ما اعتبرته تحويلاً للأستاذ إلى مجرد منفذ لتعليمات جاهزة، مع تهميش دوره البيداغوجي الحقيقي في بناء الفعل التربوي.
البيان أثار أيضاً قضايا مرتبطة بالتدبير الإداري، من بينها عدم صرف مستحقات الحراسة والتصحيح لعدد من الأساتذة بالإقليم، في وقت توصل فيها زملاؤهم في مديريات أخرى بهذه المستحقات، إضافة إلى الغموض الذي يلف معايير اختيار بعض المؤسسات للاستفادة من صفة “الريادة” وإقصاء أخرى دون توضيح، وهي عناصر اعتُبرت دليلاً إضافياً على غياب الشفافية والإنصاف في تنزيل المشروع.
النقابة دعت إلى تدخل عاجل لتصحيح المسار البيداغوجي وتدارك الأخطاء العلمية والتقنية قبل أن تتفاقم آثارها على التلاميذ والمدرسين معاً، ولوّحت بإمكانية اللجوء إلى أشكال نضالية إذا استمر ما تعتبره إهانة مهنية وتهميشاً لدور نساء ورجال التعليم.







