أثار مشروع تغيير وتتميم القانون رقم 00.65 المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض نقاشاً برلمانياً حاداً داخل مجلس النواب، في ظل انتقادات متقاطعة من فرق ومجموعات معارضة اعتبرت أن دمج الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (كنوبس) في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يطرح أكثر مما يقدم من أجوبة، سواء على مستوى الحكامة أو حماية الحقوق الاجتماعية للمؤمنين.
وخلال الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة المشروع، عبّرت نادية التهامي، النائبة البرلمانية عن حزب التقدم والاشتراكية، عن تخوفات واسعة لدى مختلف الفاعلين والشركاء، بسبب ما وصفته بتغييبهم عن إعداد نص تشريعي ذي طابع مصيري. واعتبرت أن المشروع يُعرض في سياق مالي مقلق، يتميز بعجز متراكم يعاني منه “الكنوبس”، في غياب رؤية استراتيجية واضحة أو دراسة موثوقة للجدوى تتجاوز المقاربة التقنية والمحاسباتية.
وأشارت التهامي إلى أن نظام “أمو-كنوبس” يسجل منذ سنة 2016 عجزاً تقنياً متصاعداً، نتيجة الفجوة الكبيرة بين وتيرة نمو الاشتراكات ونفقات العلاج، مبرزة أن متوسط النمو السنوي للاشتراكات ظل محدوداً مقارنة بالارتفاع الكبير في المصاريف الصحية. كما حذرت من أن الدمج قد لا يشكل حلاً جذرياً، بل مجرد تأجيل للأزمة أو نقلها إلى صندوق الضمان الاجتماعي، مع ما قد يترتب عن ذلك من مخاطر على توازنه المالي.
من جهتها، اعتبرت فاطمة التامني، النائبة عن فدرالية اليسار الديمقراطي، أن توحيد الصندوقين، في صيغته الحالية، لا يرقى إلى مستوى إصلاح حقيقي، لافتة إلى غياب تقييم موضوعي للتجربة السابقة، وهيمنة ما وصفته بالارتجال والعشوائية في المنهج المعتمد. وسجلت أن المشروع لا يقدم ضمانات كافية لحماية مكتسبات الأجراء والموظفين، محذرة من أن التوحيد الإداري قد يتحول إلى “توحيد نحو الأسفل” يمس بسلة العلاجات وجودة الخدمات.
وانتقدت التامني، في السياق ذاته، غياب رؤية واضحة بخصوص حكامة الصندوق الموحد ونوعية التمثيلية داخله، معتبرة أن تجميع الموارد والمخاطر يقتضي آليات صارمة للشفافية والمراقبة. كما نبهت إلى أن المشروع يتجاهل الإشكال الجوهري المتمثل في ضعف العرض الصحي العمومي، محذرة من أن الدمج، دون استثمار حقيقي في المستشفيات العمومية وتحسين ظروف اشتغال الأطر الصحية، قد يفتح الباب أمام تفويت غير مباشر للخدمة الصحية نحو القطاع الخاص.
بدوره، وجّه مصطفى إبراهيمي، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، انتقادات لاذعة للمشروع، معتبراً أن دمج “الكنوبس” في صندوق الضمان الاجتماعي يخدم مصالح لوبيات معينة، ولا يعالج جذور الأزمة. وأشار إلى أن منظومة التأمين الصحي بالمغرب تضم عشرات الصناديق والتعاضديات وشركات التأمين الخاصة، متسائلاً عن سبب استهداف “الكنوبس” وحده دون غيره، رغم العجز الهيكلي الذي يعاني منه.
وحذّر إبراهيمي من أن إلغاء “الكنوبس” سيؤدي إلى إسقاط مراسيمه التنظيمية، وما يرافق ذلك من تهديد مباشر لحقوق الموظفين وذويهم، منتقداً في الآن ذاته إلغاء نظام التأمين الصحي الخاص بالطلبة، الذي كان يستفيد منه مئات الآلاف، معتبراً أن إدماجهم كنظام تابع لأولياء أمورهم يشكل تراجعاً عن مكتسب اجتماعي مهم. كما أثار مسألة غلاء الأدوية وتضارب المصالح، معتبراً أن الحكومة لم تعالج الأسباب الحقيقية لارتفاع كلفة التأمين الصحي.
وتتقاطع مواقف المتدخلين الثلاثة في التأكيد على أن مشروع دمج نظامي التأمين الصحي يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل التغطية الصحية، ويطرح إشكالات تتعلق بالحكامة، وحماية الحقوق المكتسبة، وضمان العدالة في الولوج إلى العلاج. وهي اعتبارات دفعت فرق المعارضة إلى إعلان رفضها للمشروع، معتبرة أن أي إصلاح لا يضع الصحة العمومية وجودة الخدمات في صلب أولوياته، سيظل إصلاحاً ناقصاً يفتقد للنجاعة والعدالة الاجتماعية.







