فيما تتكشف فصول جديدة من قضية جيفري إبستين، ما تزال تداعيات نشر وزارة العدل الأمريكية ملايين الوثائق المرتبطة بهزّات سياسية وإعلامية واسعة، تطال قادة وشخصيات نافذة حول العالم. وتعيد هذه الوثائق تسليط الضوء على شبكة العلاقات المعقّدة التي نسجها الملياردير الأمريكي الراحل، الذي وُجد ميتًا في زنزانته عام 2019 أثناء محاكمته بتهم خطيرة تتعلق بإدارة شبكة لاستغلال القاصرات.
وتضم الملفات إفادات وتقارير رسمية، من بينها تقرير لمكتب التحقيقات الفيدرالي صدر في أكتوبر 2020، استند إلى شهادة مخبر سري، وتضمن مزاعم عن احتمال وجود صلة بين إبستين وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد). كما كشفت الوثائق أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك وزوجته نيلي برييل أقاما عدة مرات في شقة مملوكة لإبستين في نيويورك.
وفي الولايات المتحدة، برز اسم الرئيس السابق دونالد ترامب بكثافة داخل الوثائق. فقد أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأنها استخدمت أداة بحث خاصة عثرت من خلالها على أكثر من 5300 ملف تضم نحو 38 ألف إشارة إلى ترامب وزوجته ميلانيا وناديه “مار-إي-لاغو” في فلوريدا. ورغم ذلك، نفى ترامب أن تحتوي الوثائق على ما يدينه، معتبرًا أنها جاءت بعكس ما كان يأمله خصومه السياسيون في ما وصفه بـ”اليسار الراديكالي”.
وأكد ترامب أنه لم يطّلع شخصيًا على محتوى الوثائق، لكنه قال إنه تلقى إفادات من شخصيات وصفها بالمهمة، أكدت له أن ما ورد فيها لا يثبت تورطه، بل يكشف صورة مغايرة تمامًا لما يُروَّج ضده. كما اتهم الصحفي الأمريكي مايكل وولف بالتحرك لأهداف سياسية وبالتنسيق مع إبستين، رافضًا بشكل قاطع أي ادعاءات عن زيارته لجزيرة إبستين أو أماكن مرتبطة به.
ولم تقتصر الأسماء الواردة على الولايات المتحدة وأوروبا، إذ ظهر اسم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في وثيقة مؤرخة في 9 يوليوز 2017، جاء فيها أنه “رقص وغنّى في إسرائيل لصالح رئيس الولايات المتحدة”، في إشارة إلى لقاءات سياسية سبقت ذلك بأسابيع، واعتُبر أنها حققت مكاسب دبلوماسية.
وفي النرويج، أثارت الوثائق جدلًا واسعًا بعد ورود اسم ميتي ماريت، زوجة ولي العهد الأمير هاكون، أكثر من ألف مرة، بحسب صحيفة “فيردنز غانغ”. وكشفت مراسلات تعود إلى الفترة بين 2011 و2014 عن نبرة تقارب وتواطؤ بينها وبين إبستين، المدان بجرائم جنسية. وأشارت إحدى الرسائل إلى تعليق مثير للجدل نسب إليها بشأن باريس، ما زاد من حدة الانتقادات.
واعترفت ميتي ماريت لاحقًا بأنها ارتكبت “خطأ في التقدير”، وأعربت في بيان صادر عن القصر الملكي عن ندمها الشديد على أي تواصل جمعها بإبستين، واصفة الأمر بالمحرج.
أما في سلوفاكيا، فقد أعلن رئيس الوزراء روبرت فيكو قبوله استقالة مستشاره ووزير الخارجية السابق ميروسلاف لايتشاك، بعد الكشف عن تواصله مع إبستين. وذكرت تقارير، استنادًا إلى رسائل نصية تعود إلى عام 2018، أن إبستين وعد لايتشاك بتأمين نساء له خلال فترة توليه منصبه الوزاري.
وفي بريطانيا، غادر بيتر ماندلسون، السفير البريطاني السابق في واشنطن، حزب العمال بعد إعادة تداول اسمه ضمن الوثائق، بينما قررت جامعة بارزة في إيرلندا الشمالية شطب اسم السيناتور الأمريكي السابق جورج ميتشل من إحدى مؤسساتها الأكاديمية بسبب علاقته بإبستين.
كما طالت التداعيات الأمم المتحدة، إذ أعلنت جوانا روبنشتاين، ممثلة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في السويد، استقالتها عقب ورود اسمها في الوثائق، التي أشارت إلى زيارتها منزل إبستين في منطقة الكاريبي عام 2012.
وتؤكد هذه التطورات أن قضية إبستين، رغم مرور سنوات على وفاته، ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الساحة الدولية، مهددةً سمعة شخصيات سياسية ودبلوماسية، ومجددةً التساؤلات حول حجم النفوذ الذي كان يتمتع به، والجهات التي استفادت من شبكته الغامضة.







