وضعت قراءة تحليلية للخبير الاقتصادي إدريس الفينة تطور الدين العمومي المغربي تحت مجهر التقييم، في أفق سنة 2025، مسجلة أن مديونية الخزينة تواصل منحاها التصاعدي لتقترب من عتبة 800 مليار درهم، في سياق دينامية وُصفت بالقوية لكنها ما تزال، إجمالًا، ضمن دائرة التحكم، مع تنامي مؤشرات المخاطر المرتبطة بكلفة التمويل وصلابة النفقات.
وأوضح الفينة، في مقال تحليلي أن رصيد الدين الداخلي للخزينة انتقل من نحو 561 مليار درهم سنة 2019 إلى ما يقارب 789 مليار درهم سنة 2025، بزيادة تفوق 40 في المائة خلال ست سنوات، وهو تطور يعكس لجوءًا متزايدًا إلى السوق الداخلية لتمويل العجوزات المتتالية، خصوصًا في أعقاب صدمات الفترة ما بين 2020 و2022، إلى جانب استمرار مستويات مرتفعة من الاستثمار العمومي ابتداءً من سنة 2023.
وبالقياس إلى الناتج الداخلي الإجمالي الاسمي المقدر بحوالي 1.642 تريليون درهم سنة 2025، يمثل الدين الداخلي قرابة 48 في المائة، مقابل نحو 43 في المائة سنة 2019، فيما يُقدَّر الدين العمومي الإجمالي للإدارة المركزية، شاملاً المكون الخارجي، بنحو 69 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. ورغم بقاء هذه النسبة دون مستويات عدد من الاقتصادات الصاعدة، فإنها تظل أعلى بشكل ملموس مقارنة بما قبل الجائحة.
وأشار الخبير ذاته إلى أن بنية الدين المغربي ما تزال يغلب عليها الطابع الداخلي، إذ لا تتجاوز حصة الدين الخارجي ما بين 20 و22 في المائة من الناتج، وهو ما يشكل عنصر صلابة نسبيًا، لكونه يحد من التعرض لمخاطر تقلبات سعر الصرف والأسواق المالية الدولية.
غير أن التحليل توقف عند منحى كلفة الدين، مسجلًا ارتفاعًا سريعًا في أعباء الفوائد التي انتقلت من نحو 27 مليار درهم سنة 2019 إلى قرابة 44 مليار درهم سنة 2025، بزيادة تفوق 60 في المائة، نتيجة تزايد رصيد الدين من جهة، وارتفاع كلفة التمويل عالميًا في ظل تشديد السياسات النقدية من جهة أخرى. وباتت فوائد الدين تستحوذ على نحو 11 في المائة من الموارد العادية للدولة، وما بين 2.5 و3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ما يعكس تزايد صلابة النفقات وتراجع هوامش المناورة الميزانياتية.
وربط الفينة استدامة الدين أساسًا بالفارق بين معدل النمو الاسمي ومعدل الفائدة الفعلي، مشيرًا إلى أن تعافي النمو ابتداءً من سنة 2022، مدعومًا بانتعاش النشاط الاقتصادي وتضخم معتدل، ساهم في الحد من تدهور نسبة الدين إلى الناتج رغم استمرار العجوزات، لكنه حذر من أن أي تباطؤ محتمل في النمو، مقرونًا بارتفاع مستدام في كلفة التمويل، قد يشكل عامل ضغط حقيقي على المدى المتوسط.
كما قدّر الحاجيات الإجمالية للتمويل سنة 2025 بما بين 10 و11 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، معتبرًا أنها تظل في مستوى قابل للتدبير بالنظر إلى عمق سوق الدين الداخلي، غير أن هذه القابلية تبقى مشروطة بقدرة السوق على امتصاص إصدارات الخزينة واستمرار شروط إعادة التمويل الملائمة.
وخلص التحليل إلى أن الدين العمومي المغربي يظل قابلًا للاستدامة على المدى القصير والمتوسط، بالنظر إلى هيمنته الداخلية وتنوع مصادر تمويله وطول آجاله، غير أن المنحى التصاعدي لأعباء الفوائد وتزايد النفقات الجامدة، خاصة كتلة الأجور، يرفعان من حساسية التوازنات الميزانياتية لأي صدمة في النمو أو لتشديد مطول في الأوضاع المالية، ما يجعل التحدي المركزي خلال السنوات المقبلة مرتبطًا بتحسين الفارق بين النمو وكلفة الدين عبر تقويم ميزانياتي نوعي ورفع نجاعة الاستثمار العمومي.







