في الوقت الذي حاول نزار بركة تبرير صمته خلال ذروة فيضانات الشمال والغرب بكون تدبير المرحلة كان “تقنيا” وموكولا لوزارة الداخلية، كشفت مصادر مطلعة لـ”نيشان” أن ذلك الصمت لم يحظ بإجماع داخل مكونات الأغلبية، وأن نقاشا محتدما دار في الكواليس حول جدوى الغياب السياسي لوزير التجهيز والماء في واحدة من أعقد الأزمات المناخية التي عرفتها البلاد في السنوات الأخيرة.
وأفادت المصادر بوجود امتعاض داخل بعض أطراف الأغلبية، خاصة من الأحرار والبام، إذ اعتبرت أن الرأي العام كان ينتظر خطابا سياسيا يواكب المجهودات الميدانية، خصوصا بعد تسجيل تساقطات استثنائية امتدت لشهرين متتاليين، بلغت ذروتها بإجلاء كامل ساكنة مدينة القصر الكبير، وتعطل محاور طرقية استراتيجية تربط بين الغرب واللوكوس.
وبحسب المعطيات ذاتها، فإن تدبير العمليات الميدانية أُسند، كما جرت العادة، إلى وزارة الداخلية بتنسيق مع القوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية والسلطات الترابية، غير أن ذلك لم يمنع من بروز تساؤلات حول مستوى التواصل السياسي وحدود المساءلة في مثل هذه الظروف.
وخلال خرجته الأخيرة في الندوة الصحافية للناطق الرسمي باسم الحكومة، المنعقدة عقب اجتماع المجلس الحكومي الأسبوعي أول أمس الأربعاء، بدا بركة حريصا على التأكيد أن ترك الواجهة للخبراء والمهندسين والهيدرولوجيين كان خيارا واعيا لتفادي ما سماه “المزايدات”، مشددا على أن الظرفية كانت تستدعي خطابا تقنيا بعيدا عن أي استثمار سياسي.
غير أن قراءات أخرى داخل المشهد الحكومي، وفقا للمصادر نفسها، رأت أن الأمر لا ينفصل عن حسابات دقيقة فرضتها حساسية المرحلة، خاصة في ظل تعرض البنيات التحتية الطرقية والمنشآت المائية لاختبارات قاسية، ما أعاد إلى الواجهة نقاش مدى نجاعة برامج الوقاية من الفيضانات ومخططات حماية المدن.
وفي السياق ذاته، اعتبر منتقدو المقاربة التواصلية للوزير أن الحديث عن “الوقت المناسب للكلام” لا يلغي الحاجة إلى طمأنة المواطنين في لحظة ارتباك عام، مع تداول صور إجلاء الأسر وتضرر ممتلكات خاصة، مؤكدين أن المسؤولية السياسية لا تنفصل عن المسؤولية التقنية، وأن الحضور الميداني للوزير كان سيحمل دلالات تتجاوز المعطيات الرقمية.
في المقابل، دافعت أوساط قريبة من بركة عن خياره، معتبرة أن تضخم الخطاب السياسي في لحظات الكوارث قد يربك سلاسل القيادة ويخلق تداخلا في الاختصاصات، مشيرة إلى أن التنسيق المؤسساتي اقتضى تركيز الجهود على عمليات الإنقاذ وتأمين البنيات الأساسية قبل الانتقال إلى مرحلة التقييم والمحاسبة.
وتؤكد المصادر أن الوزارة شرعت فعليا في إعداد برنامج استعجالي لإصلاح المقاطع المتضررة، مع مراجعة بعض دفاتر التحملات المرتبطة بتصريف مياه الأمطار في المشاريع الجديدة.
وبين هذا الرأي وذاك، تبدو أزمة الفيضانات قد أعادت طرح سؤال انسجام الأغلبية الحكومية في سياق سياسي دقيق، حيث تتقاطع رهانات التدبير القطاعي مع حسابات التموقع، ويغدو ملف البنيات التحتية والوقاية من المخاطر اختبارا حقيقيا لقدرة مكونات التحالف على تدبير الاختلافات داخليا، وتقديم خطاب موحد أمام الرأي العام في مرحلة تتزايد فيها حساسية القضايا المرتبطة بالأمن المائي والمجالي.







