بعد خمس سنوات على تقديم خلاصات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، عاد النقاش ليتجدد حول مآل واحد من أكبر الأوراش الاستراتيجية التي رُفعت بشأنها سقوف الانتظارات، دون أن يواكب ذلك الزخم نفسه على مستوى التنزيل الفعلي. المشروع الذي قُدّم حينها باعتباره خارطة طريق لإعادة ترتيب أولويات الدولة وبناء تعاقد اقتصادي-اجتماعي جديد، يجد نفسه اليوم في مرمى تقييمات متقاطعة، سياسية واقتصادية، تلتقي عند خلاصة شبه واحدة مفادها أن المسافة ما تزال واسعة بين الوثيقة المرجعية والواقع الملموس.
عندما رُفع التقرير إلى الملك محمد السادس سنة 2021، بدا واضحاً أن المغرب بصدد لحظة مفصلية عنوانها القطع مع أعطاب نموذج استُنزفت قدرته على إنتاج الثروة وتقليص الفوارق. جرى الحديث حينها عن “منعطف تاريخي” وعن تعاقد جديد يربط النمو بالعدالة الاجتماعية، ويصل الاستثمار بخلق فرص الشغل، ويعيد الثقة بين الدولة والمواطن. لكن بعد نصف عقد، تكشف المؤشرات المتقاطعة أن المسار الفعلي ظل أقل بكثير من منسوب الانتظارات.
مصادر اقتصادية وخبراء تواصلت معهم “نيشان” يجمعون على أن أبرز أعطاب التنزيل تمثلت في غياب تحويل التوصيات إلى خطط تنفيذية مُلزمة. ويقول خبير في السياسات العمومية اشتغل سابقاً ضمن فرق استشارية حكومية، وفضّل عدم ذكر اسمه، إن “المشكل لم يكن في جودة التشخيص، بل في ضعف الجرأة السياسية لترجمته إلى قرارات مكلفة اقتصادياً واجتماعياً”، موضحاً أن عدداً من الإصلاحات الجوهرية، مثل إصلاح منظومة الحكامة الاقتصادية ومحاربة اقتصاد الامتيازات، “ظلت مؤجلة لأنها تصطدم بتوازنات مصالح قائمة”.
اقتصادياً، ورغم حفاظ المغرب على استقرار ماكرو-اقتصادي نسبي، فإن ذلك لم يتحول إلى إقلاع شامل كما بشّر به النموذج. معدلات النمو المسجلة خلال السنوات الأخيرة بقيت دون العتبة القادرة على امتصاص البطالة، فيما ظل خلق فرص الشغل ضعيفاً مقارنة بحجم الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
أحمد مزراوي، الباحث في العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، صرّح لـ“نيشان” بأن “النمو المتحقق هو نمو محاسباتي أكثر منه تنموياً، لأنه غير مُولّد لفرص كافية، ولا يُترجم إلى تحسين ملموس في الدخل”.
وتابع موضحاً أن التشغيل يبرز في هذا السياق كأحد أكثر الاختبارات قسوة. فبرامج الإدماج التي أُطلقت خلال الولاية الحكومية الحالية لم تنجح، وفق تقييمات رسمية، في تحقيق الأثر المنتظر، سواء بسبب ضعف الاستهداف أو تعقيد المساطر أو هشاشة النسيج الاقتصادي نفسه.
ويشير مزراوي إلى أن “المغرب لم ينجح بعد في الانتقال من اقتصاد خدماتي هش إلى اقتصاد صناعي مُكثّف لفرص العمل، وهو جوهر ما دعا إليه النموذج”.
في المقابل، تُظهر تجارب دول صاعدة أن الفارق لم يكن في الرؤية بقدر ما كان في الصرامة التنفيذية. فتركيا، على سبيل المثال، حين أطلقت إصلاحاتها الصناعية مطلع الألفية، ربطت التحفيزات العمومية بمؤشرات تصدير وتشغيل دقيقة، وفرضت التزامات واضحة على المقاولات المستفيدة. وكانت النتيجة بروز طبقة صناعية متوسطة قوية قادرة على المنافسة. أما في المغرب، فيرى خبراء أن الدعم العمومي ظل موزعاً دون أثر تحويلي عميق، ما أبقى هيمنة المقاولات الصغيرة وضعف إنتاجيتها قائمين.
وعلى الصعيد السياسي، تتجه أصابع النقد بشكل متزايد نحو الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش، والتي تعهدت عند تنصيبها بجعل النموذج التنموي مرجعيتها المركزية. غير أن مصادر مطلعة تؤكد أن وتيرة الالتقائية بين البرنامج الحكومي وتوصيات النموذج “بقيت محدودة”، مضيفة أن عدداً من المشاريع قُدّم بمنطق قطاعي ضيق، لا بمنطق تحولي شامل كما نصت عليه الوثيقة.
وتوضح المصادر ذاتها أن “الحكومة تعاملت مع النموذج كخزان أفكار يُستأنس به خطابياً، لا كخارطة طريق مُلزمة”، مضيفة أن الرهان كان يقتضي إحداث آلية مركزية لقيادة التنزيل بصلاحيات عرضانية فوق قطاعية، “لكن ما وقع هو العكس: كل قطاع اشتغل بمنطقه الخاص”.
في السياق ذاته، تصاعدت داخل البرلمان أيضاً نبرة الانتقاد. فقد اعتبر النائب رشيد حموني أن الحكومة أخلّت بموعد التفعيل الحقيقي، محذراً من اختزال النموذج في وثيقة مرجعية فاقدة للأثر. وهي مواقف تعكس، وفق متتبعين، تنامي قناعة سياسية عابرة للأغلبية والمعارضة بأن المشروع لم يحظ بعد بالسرعة التنفيذية المطلوبة.
وفي قلب مفارقة التقييم يقف شكيب بنموسى، الذي قاد لجنة إعداد النموذج قبل أن يتولى رئاسة المندوبية السامية للتخطيط، المؤسسة المكلفة بقياس أثر السياسات العمومية. أرقام المندوبية خلال السنتين الأخيرتين، خاصة في ما يتعلق بالبطالة والفوارق المجالية، تعكس أن الأثر الاجتماعي للإصلاحات ما يزال دون الطموح، وهو ما يطرح أسئلة صريحة حول فجوة الانتقال من التنظير إلى التفعيل.
المصادر التي تحدثت إليها “نيشان” تضع الإصبع على عطب مركزي آخر يتمثل في بطء الإدارة. فإخراج النصوص التطبيقية، وتعقيد المساطر، وضعف ثقافة التقييم، كلها عوامل “تلتهم الزمن الإصلاحي”، على حد تعبير أحد المتحدثين. وتضيف أن المغرب ينجح غالباً في إطلاق الاستراتيجيات، لكنه يتعثر في هندسة التنفيذ، “وهو ما يجعل كل نموذج جديد مهدداً بإعادة إنتاج أعطاب سابقيه”.
بعد خمس سنوات، تبدو الحصيلة مركبة: رؤية استراتيجية طموحة ما تزال صامدة نظرياً، مقابل تنزيل جزئي وبطيء عملياً. وبين خطاب الإقلاع الاقتصادي وواقع البطالة، وبين وعود العدالة الاجتماعية واستمرار الفوارق، يتكرس الانطباع بأن النموذج التنموي الجديد لم يفشل، لكنه أيضاً لم يُفعّل بالجرأة والسرعة اللتين كانتا شرطاً لنجاحه.
سؤال الحصيلة اليوم لم يعد تقنياً فقط، بل سياسياً أيضاً: هل ما يزال الزمن الإصلاحي يسمح بتدارك التأخر، أم أن مشروعاً قُدّم كمنعطف تاريخي مهدد بأن يُختزل، هو الآخر، في وثيقة مرجعية أُضيفت إلى أرشيف الاستراتيجيات غير المكتملة؟







