لم يعد العيد هو العيد، كثير من الطقوس انقرضت أو لم يعد لها نفس الطعم، ملابس الأطفال الجديدة، زيارات التسامح والمصالحة، نقود العيد، حلوى الأمهات القديمة، الصور الجماعية والفردية…
في الأعياد الغابرة، كانت الخرجات العائلية تنتهي دائما بصورة في الأستوديو، تخليدا للذكرى. في كل حيّ محل لتجميد الوقت. مكان مهيب وساحر، يخيم عليه الصمت، مع آلات تصوير مثبتة على “التري پيي”، وستائر ومصابيح تتدلى من كل جهة، للتحكم في الظل والضوء. المصور يرتدي بذلة أنيقة وعلى الحائط صورة كبيرة لأشجار وحيوانات أو مبانٍ فاخرة، لا أحد يعرف أين تقع. كي ناخذ الصورة، نعطي ظهورنا للجدار المزركش وأمامنا مزهرية من الورود البلاستيكية. كان الصغار يحاولون تلقائيا قطف الزهور المزيفة، مما يجعل الفوتوغراف يوقف المهزلة ويعيد التقاط الصورة عدة مرات. بعض الأطفال، يستغلون المناسبة من أجل القيام بحركات بهلوانية أو حربية متسلهمة من بروس لي وجاكي شان وشيك نوريس الذي وافته المنية قبل أيام… مما يعقد مهمة المصور. ولا بد أن تضحك كي تطلع الصورة حلوة. قبل أن تغادر، يعطيك صاحب الاستوديو وصلا، تؤدي جزء من المبلغ وتدفع البقية عندما تعود لسحب التذكار. بعد أسبوع تكون الصورة جاهزة، بالأبيض والأسود أو بالألوان. العملية تستغرق عدة مراحل. يذهب الشريط الى المختبر ويتم تحليله وتحميضه وتجفيفه، كان التصوير عملية شاقة ومعقدة.
أخذ صور في الأستوديو يذكرني دائما بحادث طريف في مقهى “المثلث الأحمر” وسط الرباط، الذي تحول من محجّ للمبدعين إلى محلّ لصنع النظارات، بعد أن أصيبت الثقافة بالحَوَل. وقتها كانت الكتابة مهنة محترمة والقصيدة تصنع النجومية، يكفي أن تنشر بعض النصوص في الملحق الثقافي لجريدة “الاتحاد الاشتراكي” أو “العلم” كي تصبح شخصية مرموقة، يعرفك الأساتذة والطلبة والمناضلون والمخبرون، ويسلم عليك المعجبون في الطريق، ويحترمك نادل المقهى. كان محمد زفزاف على قيد الحياة، ومحمد شكري وإدريس الخوري و”اتحاد كتاب المغرب”… وكثير من الرموز الثقافية التي انطفأت أو علاها الصدأ، بعد أن كسدت الثقافة وتمددت السخافة على وسائل التواصل الاجتماعي …
في هذا السياق الثقافي الخطير، كنت جالسا في مقهى “المثلث الأحمر” مع صديقين شاعرين، وقريب لأحدهما، من فئة الغاوين. كانت له بذلة مخططة وموستاش عريض، فهمت انه جاء للرباط في زيارة قصيرة، وبدا سعيدا بمجالسة أشخاص يكتبون في الجرائد ويؤلفون الكتب، ويمرون أحيانا في التلفزيون.
لم يتوقف عن طرح الأسئلة، كأننا في برنامج إذاعي، معظمها ساذج وسخيف، لكننا بذلنا جهدا خطيرا كي نتحمله. وكلما عرجنا على مواضيع خفيفة لتزجية الوقت، يصر أن يعيدنا إلى الشعر الحر وقصدة النثر والسياب ونازك الملائكة والأسود يليق بك أيها المائز ولو أعادوا لك المقاهي من يعيد لك الرفاق….
صبرنا عليه، احتراما لقريبه الذي بدا محرجا، وكان يقمعه بين الفينة والأخرى، دون أن ينجح في إخراسه.
وعندما هممنا بالانصراف، فوجئنا به يقترح أن نأخذ صورة جماعية، لم نمانع لكننا سألناه : أين آلة التصوير؟ ورد بثقة في النفس: “لا ما عنديش، نمشيو للاستوديو اللي قبالة البرلمان”… كتمنا الضحكة، الموقف كان كاريكاتوريا، لأن عادة الذهاب إلى الأستوديو لالتقاط صورة جماعية كانت قد انقرضت من سنوات، لكنه أصرّ على تخليد اللقاء أمام زهور بلاستيكية… وقبل أن يتطور الموقف، جرّه صديقنا من ياقته نحو أول تاكسي !
“بقايا صور”







