يواجه التدبير الحكومي لملف “الساعة الإضافية” في المغرب اختبارا متجددا للمشروعية الشعبية والسياسية، مع عودة العمل بتوقيت (GMT+1) فور انقضاء شهر رمضان، وهو القرار الذي لم يعد مجرد إجراء إداري تقني لتنظيم الزمن، بل تحول إلى بؤرة توتر دستوري ومؤسساتي تضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع آليات الديمقراطية التشاركية.
ففي الوقت الذي اختارت فيه السلطة التنفيذية الركون إلى “صمت مطبق” تجاه موجة الرفض المتصاعدة، برزت العريضة الوطنية المناهضة لهذا التوقيت كأداة ضغط قانونية تجاوزت في حمولتها الرقمية سقف مئتي ألف توقيع، ما يخرج النقاش من دائرة “التذمر الاجتماعي” العابر إلى مربع “المساءلة المؤسساتية” الصريحة.
وتطرح هذه العريضة، التي استوفت وتجاوزت الشروط الشكلية والموضوعية المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية، إشكالية قانونية معقدة تتعلق بمدى التزام الحكومة بالتعاطي الإيجابي مع المبادرات المواطنة.
فالدستور المغربي الذي كرس الديمقراطية التشاركية كركيزة للمنظومة السياسية، يفرض على الجهاز التنفيذي ألا يكتفي بالتسلم الشكلي لمثل هذه المبادرات، بل بفتح قنوات حوار مؤسساتي تشرح من خلاله الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لاستمرار العمل بمرسوم 2018، وهو الأمر الذي يغيب تماما في ظل النهج التواصلي الحالي الذي يكتفي ببيانات مقتضبة تخبر بالزيادة أو النقصان دون تقديم حصيلة رقمية محينة للأثر الطاقي أو الاقتصادي المدعى.
ويعكس هذا الصمت الحكومي، الذي يفسره مراقبون سياسيون على أنه استراتيجية لامتصاص الغضب الشعبي عبر سياسة “الأمر الواقع”، – يعكس – في العمق أزمة تواصل سياسي حادة لدى الأغلبية الحكومية الحالية. فعدم خروج الناطق الرسمي باسم الحكومة أو الوزارات المعنية ببيانات تشرح خلفيات الإصرار على هذا التوقيت في ظل تغير المعطيات الدولية والداخلية، يغذي، وفقا للمصادر، فرضية “الارتباط التبعي” لقطاعات اقتصادية معينة بشركاء أوربيين، على حساب الكلفة الاجتماعية والصحية التي يتحملها المواطن.
وتتحدث تقارير ميدانية واستقصائية غير رسمية عن فجوة عميقة بين ما تسميه الحكومة “النجاعة الطاقية” وبين الواقع المعيش الذي يسجل ارتفاعا في استهلاك الطاقة المنزلي الصباحي، فضلا عن الكلفة النفسية والإنتاجية المرتبطة باختلال الساعة البيولوجية للموارد البشرية، وهي معطيات ترفض الدوائر الرسمية تقديم أرقام مضادة لها أو فتحها للنقاش العمومي.
من الناحية القانونية، يضع استمرار العمل بهذا التوقيت بالرغم من الرفض الشعبي الموثق عبر العرائض، مبدأ “المصلحة العامة” تحت المجهر. فإذا كانت القوانين والمراسيم توضع لتنظيم حياة الجماعة وتحقيق رفاهيتها، فإن الإجماع على تضرر فئات واسعة، لا سيما في قطاعي التعليم والنقل، يحول المرسوم المنظم للساعة من أداة تنظيمية إلى عبء إداري يفتقد للقبول الاجتماعي.
وترى مصادر مطلعة تحدثت لـ “نيشان“، أن هذا التباعد بين “النص القانوني” و”الواقع المجتمعي” يضعف من هيبة المؤسسات ويقلص من منسوب الثقة في التدبير العمومي، خصوصا حينما يتم تجاهل المؤسسات الوسيطة والعرائض الشعبية التي تعد أسمى تعبير عن إرادة المواطنين في الفترات التي تفصل بين الاستحقاقات الانتخابية.
وتذهب المصادر ذاتها أبعد من ذلك، معتبرةً أنه لا يمكن قراءة ملف الساعة الإضافية اليوم بمعزل عن سياق “السيادة الزمنية” للمغرب؛ فالحكومة مطالَبة بالخروج من مربع “التقني” الصرف، الذي يتحجج بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، إلى مربع “السياسي” المسؤول، الذي يضع الاستقرار الاجتماعي والصحة العامة في كفة موازية، إن لم تكن أرجح، من كفة التوازنات التقنية والارتباطات القطاعية.
وتشير المصادر، الى أن العريضة المطروحة اليوم ليست مجرد رقم، بل هي “إنذار قانوني” يضع الحكومة أمام خيارين، إما تفعيل مقتضيات الديمقراطية التشاركية والإنصات للنبض الشعبي، أو الاستمرار في نهج “التجاهل”، الذي قد يحوّل ملفًا تقنيا بسيطًا إلى أزمة مشروعية تواصلية تلازمها حتى نهاية ولايتها.







